عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: متى يتحرك الغرب ضد أردوغان؟

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

هل اتخذت الولايات المتحدة ومعها القوى الفاعلة فى القارة الأوروبية قراراً استراتيجياً بإسقاط حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أم أن ما يحدث الآن مجرد زوبعة فى فنجان سرعان ما تزول وتعود العلاقات «سمنا على عسل»؟!

السؤال السابق صار مطروحاً بقوة فى الأسابيع الأخيرة، بعد أن تحولت الملاسنات والمشاحنات والصراعات اللفظية إلى عقوبات وقعتها أوروبا وأمريكا، على نظام أردوغان.

العقوبات الأوروبية كانت بسبب الانتهاكات والتهديدات التركية المستمرة بحق قبرص واليونان، خصوصاً فى مياه شرق المتوسط، والعقوات الأمريكية بسبب إصرار أردوغان على شراء منظومة الدفاع الجوى الروسية «إس 400».

ورغم أن العقوبات؛ سواء الأوروبية أو الأمريكية ليست مشددة، كما كانت تأمل أثينا وليماسول، إلا أنها خطوة متقدمة قياساً على رفض دول أوروبية كثيرة لفكرة العقوبات من الأساس.

التقديرات تقول إن أردوغان الذى يدمن ممارسة سياسة «حافة الهاوية»، لأنها حققت له العديد من المكاسب فى معظم الصراعات المحلية والإقليمية التى خاضها، تصور أنه سوف يفلت هذه المرة أيضا، وأن أوروبا وأمريكا لن تغامرا بمعاقبته، لأنه سيلجأ للتهديد بالورقتين الروسية والإيرانية، أي التقارب مع موسكو وطهران.

لكن المفاجأة أن أمريكا وأوروبا وقعتا العقوبات بالفعل. ولذلك يمكن فهم سر غضب أردوغان الشديد، خصوصاً من العقوبات الأمريكية.

أردوغان تساءل باستنكار فى الأسبوع الماضى قائلاً: «ما هو هذا التحالف، قرار العقوبات هو تعد على سيادتنا، الهدف الحقيقي هو وقف زخم بلادنا في صناعة الدفاع، وجعلنا معتمدين على الغير بشكل كامل مرة أخرى».

لكن هذا الاتهام نفاه وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، خلال اتصال مع نظيره التركي مولود تشاوش أوغلو، مؤكداً أن هدف العقوبات هو منع روسيا من الحصول على قدر كبير من العوائد أو الوصول والتأثير على أنظمة الدفاع التركية!

أردوغان ألمح أكثر من مرة خلال السنوات الماضية إلى أن دولا وأجهزة فى الغرب، كانت ضالعة فى محاولة الانقلاب الشهيرة ضده منتصف يوليو 2016، لكن جهات كثيرة فى الغرب تعتقد أنها لم تكن محاولة انقلاب حقيقية، بقدر ما كانت تمثيلية لأردوغان، للتنكيل بكل خصومه السياسيين واتهامهم جميعا، بأنهم ضالعون في مؤامرة كونية للإطاحة بأردوغان، وأعضاء في منظمة «خدمة» التى يرأسها السياسي التركي الكبير فتح الله جولن، التي كانت الداعم الرئيسي في صعود أردوغان وحزبه للسلطة مطلع الألفية.

 المؤكد أن العلاقات التركية الأوروبية لم تعد كما كانت فى السابق، وشهدت خلال السنوات الماضية العديد من العواصف والأعاصير قياساً بشهور العسل الطويلة بينهما. لكن ربما يكون الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، هو الذى منع سقوط أردوغان فى السنوات الأربع الماضية. ترامب ترك أردوغان يفعل ما يشاء، يهاجم سوريا، ويحتل أجزاء من أراضيها، ويقصف القرى والتلال العراقية، ويرسل الجنود والأسلحة والخبراء والمرتزقة إلى ليبيا وأذربيجان. المرة الوحيدة التى اختلف معه فيها  قبل حوالي عامين، حينما اعتقل أردوغان القس الإنجيلي أندرو برانسون، وقتها  هدد ترامب بتدمير الاقتصاد التركي، فانهارت قيمة الليرة التركية لأكثر من 40%، وبعدها أدرك أردوغان أن هناك فارقا كبيراً بين التشويش والتهديدات اللفظية، وبين الواقع الحقيقي، فأطلق سراح القس من دون قيد أو شرط!

وبالمناسبة منذ هذا الوقت والاقتصاد التركي، خصوصاً الليرة، يعاني من معضلات هيكلية متنوعة.

التقديرات أيضاً أن الرئيس الأمريكي المقبل جون بايدن، لا يكن المزيد من الود لأردوغان، ويراه مستبدا، بل دعا إلى تغييره عبر صندوق الانتخابات.

وأوروبيا، فإن أصواتاً كثيرة داخل الاتحاد الأوروبي، قالت بوضوح إن فرص تركيا لأردوغان فب دخول الاتحاد شبه مستحيلة، خصوصاً بعد تنقيبه عن الغاز في المياه الاقتصادية لكل من قبرص واليونان، وتهديداته المستمرة لفرنسا وابتزازه لكل القارة بورقة المهاجرين غير الشرعيين.

طبعا هناك معضلة، وهي أن أوروبا وأمريكا تخشيان من أن تشديد العقوبات على تركيا قد يدفع أردوغان للارتماء في الأحضان الروسية والصينية والإيرانية، وهو ما قد يقود إلى تغييرات جيوسياسية ضخمة فى المنطقة، وفي كيفية عمل حلف شمال الأطلسي الذي تحظى تركيا بعضويته، وتحظى بمكانة خاصة بسبب موقعها الاستراتيجي.

أغلب الظن أن الغرب سوف يستمر فى سياسة الضغط الهادئ والمحسوب على أردوغان مراهنا على قيام الأتراك أنفسهم بإسقاطه سياسياً.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع