عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: أي صفحة جديدة يريدها أردوغان؟!

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

المعادلة الصعبة وربما المستحيلة التي يسعى إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هي أن يكسب ود ورضاء وصداقة أوروبا والغرب والعالم والمنطقة، وفي نفس الوقت لا يريد أن يخسر تأييد الجماعات المتطرفة والإرهابية!

يوم السبت الماضي، أكد أردوغان أن «الانضمام للاتحاد الأوروبي من أولويات تركيا السياسية، التي ترى مستقبلها مرتبطًا بالأسرة الأوروبية»، مطالبًا باستئناف القمم الدورية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، حتى يتم فتح الصفحة الجديدة بين الطرفين.

ويوم الأحد الماضي، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أنه يتطلع إلى زيارة بروكسل في الحادي والعشرين من يناير (كانون الثاني) الجاري لبدء صفحة جديدة من العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. لكن في نفس الوقت كانت الشاحنات التركية تواصل نقل أو سرقة النفط من الأراضي السورية، عبر التنظيمات العميلة والمتطرفة الموالية لتركيا. وعرفنا بخبر التهريب فقط لأنه في نفس هذا اليوم قام الطيران الروسي بقصف قافلة كانت تهرب هذا النفط من سوريا لتركيا.

السؤال الذي يفترض أن يسأله كل من استمع لأردوغان ولجاويش أوغلو هو: وهل تريد «تركيا فعلاً أن تبدأ صفحة جديدة، وحتى إذا أرادت، فهل تملك النية فعلاً لذلك، والأهم هل يمكن للنظام التركي أن يتخلى فعلًا عن المتطرفين والمرتزقة، الذين صاروا يشكلون جزءًا عضويًا من نسيجه؟!».

أردوغان وكبار مساعديه صاروا بارعين في ممارسة سياسة اللعب على كل الحبال، معتقدين أن ذاكرة العالم ضعيفة، خصوصًا مع القارة الأوروبية، مستغلين وجود انقسام داخل القارة القديمة، بشأن كيفية التعامل مع خروقات أردوغان أوروبيًا.

أردوغان، وكما كتبت هنا أكثر من مرة، أدمن استخدام سياسة حافة الهاوية. هو يهدد اليونان وقبرص دائمًا، وحينما يرد الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عقابية ضده، نراه يتراجع. هو يراهن على قبول أوروبا لسياسة الأمر الواقع، وعدم تحمس ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا - قبل خروجها - لفرض عقوبات على تركيا، لحسابات سياسية واقتصادية وعسكرية مختلفة.

ما الذي يجعل أوروبا تصدق أردوغان حينما يقول هو أو وزير خارجيته أنه يريد فتح صفحة جديدة معها؟!

أظن أن الصورة صارت واضحة أمام القارة الأوروبية، حتى بالنسبة للدول التي لا تتحمس كثيرًا لمعاقبة تركيا الأردوغانية.

من خلال سلوكيات أردوغان مع أوروبا، فإنه قام أكثر من مرة بسحب سفن التنقيب خصوصًا «أورتش رئيس» من المياه الإقليمية أو المناطق الاقتصادية الخاصة باليونان وقبرص، فعل ذلك، حينما هددت أوروبا بمعاقبته، لكنه يقوم بإعادة سفن التنقيب مرة أخرى، بعد أيام قليلة من إعلان العقوبات.

وقبل أيام خرج أكثر من مسؤول تركى ليؤكد أن بلاده لن تتنازل أو ترضخ بسبب العقوبات الرمزية التي فرضها الاتحاد الأوروبي عليها بسبب تحرشها المستمر باليونان وقبرص، إضافة لملفات أخرى مثل تدخلها المستمر في سوريا وليبيا والنزاع الأرميني الأذري في ناجورنو كارباخ. لكن بعدها بأيام خرج مسؤولون أتراك ليعلنوا أنه سيتم استئناف محادثات ترسيم الحدود مع اليونان في الأسبوع المقبل.

المشكلة التي يلمسها غالبية المراقبين والمعلقين هي تناقض أردوغان مع نفسه، حيث إنه يريد علاقات أفضل مع أوروبا لضمان الانتعاش الاقتصادي، وكذلك مع أميركا وروسيا والخليج، لكنه في المقابل يريد أن يواصل علاقاته الملتبسة والغامضة والمريبة مع تنظيمات تراها معظم بلدان العالم إرهابية ومتطرفة.

وقبل أيام قرأت تقريرًا خبريًا مهمًا يفسر الاندفاعة التركية الأخيرة تجاه أوروبا بمحاولة «إعادة تدوير خطاب التهدئة كلما انحسر أمامه هامش المناورة لتفادي عقوبات أوروبية أكثر قسوة».

والمحتمل طبقًا للعديد من المحللين هو أن أوروبا تنتظر دخول جو بايدن للبيت الأبيض، حتى ينسقوا سياسة موحدة للتعامل مع تركيا. أظن أن الخيارات السياسية أمام أردوغان ـ بعد خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض ـ تضيق كثيرًا، لكن علينا الانتظار قليلًا قبل أن نتفاجأ بمفاجأة جديدة من أردوغان ولعبه على كل الحبال.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع