داليا زيادة تكتب: بعد تصنيف حسم منظمة إرهابية أردوغان أصبح في ورطة!

داليا زيادة

داليا زيادة

أصبح الرئيس التركي أردوغان في مأزق حقيقي، بعد أن صنفت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً حركة «سواعد مصر» (حسم) وجماعة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية منظمات إرهابية، الأسبوع الماضي. وهذا ليس فقط لأن «حسم» و«الجهاد الإسلامي» ينتميان إلى جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها أردوغان. ولكن أيضاً، لأن تركيا تأوي لديها قيادات ومؤسسي حركة «حسم»، الهاربين من مصر، الذين قامت الخارجية الأميركية بوضع اثنين منهم على القائمة الخاصة بالإرهابيين الدوليين.

في منتصف يناير، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج الميليشيا الإخوانية المعروفة باسم حركة حسم، وتعمل في مصر، على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وقد سبق في عام 2018 أن صنفت الخارجية الأميركية حركة حسم وتنظيم لواء الثورة، وهي أيضاً ميليشيا تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، على القائمة الخاصة بالإرهابيين الدوليين. حركة حسم وتنظيم لواء الثورة هي جماعات مسلحة تتبع جماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر، وقادتها ومؤسسوها هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وقد بدأ عملهما في مصر منذ سقوط نظام الإخوان عام 2013، بغرض إحداث حالة من الفوضى العارمة، أو الحرب الأهلية، التي تجبر القوات المسلحة على إعادة الإخوان إلى السلطة، أو على الأقل إحداث حالة انقسام بين سلطتين تسيطر جماعة الإخوان على واحدة منهما، كما هو الحال اليوم في بعض الدول التي مرت بتجربة الربيع العربي.

تشكلت حركة حسم المسلحة على يد شباب من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين فروا إلى تركيا لاحقاً في بدايات عام 2015، ومن هناك استمروا في التواصل مع أعضاء التنظيم داخل مصر، والتخطيط للعمليات الإرهابية، التي استهدفت بشكل رئيسي مؤسسات الدولة ورجال الشرطة وأسرهم، وأيضاً كبار المسؤولين في الدولة.

كانت العملية الأبرز التي نفذتها حركة حسم هي اغتيال النائب العام المصري، المستشار هشام بركات، في يونيو (حزيران) ٢٠١٥، وبحسب الاعترافات المسجلة لمرتكبي الجريمة، فقد تم التخطيط لعملية الاغتيال وتوجيه المنفذين وتمويل العملية بواسطة قيادات حركة حسم المقيمين في تركيا، حيث كان الجناة، المقيمون في القاهرة، يتواصلون بشكل مستمر مع قيادات الحركة المقيمين في تركيا عبر تطبيقات مشفرة على الإنترنت.

ذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في نفس البيان، أنها راجعت التصنيف السابق لجماعة الجهاد الإسلامي الفلسطينية على قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية، وقررت الإبقاء عليها في القائمة بسبب استمرارها في ممارستها أعمال عنف وإرهاب داخل غزة. الجهاد الإسلامي معروفة بأنها واحدة من ميليشيات إيران الإرهابية في المنطقة، إلا أنها في الأصل فصيل خرج من داخل حركة حماس، وهناك مزاعم قوية بأنه يتم تمويلها بواسطة قطر، أما الرئيس التركي أردوغان فقد حاول مراراً تجميل وجهها ودعمها سياسياً.

وليس سراً أن الرئيس أردوغان يدعم حركة حماس بشكل علني، وقيادات الحركة يسمونه «الأخ الكبير» للتنظيم، وحركة حماس هي أيضاَ أحد الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين، والرئيس أردوغان يدعمها رغم تمام علمه بأن حماس مصنفة كتنظيم إرهابي لدى الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وغيرها من الدول حول العالم، منذ التسعينيات، في موقف يتناقض تماماً مع كل محاولاته لكسب ود أميركا والاتحاد الأوروبي والدول الأخرى الحليفة لتركيا في منظمة الناتو.

في أغسطس (آب) 2020، استضاف أردوغان اثنين من قادة حماس في إسطنبول، رغم علمه بأن حماس منظمة إرهابية وأن القائدين اللذين التقى بهما هما أيضاً مصنفان لدى الولايات المتحدة على القائمة الخاصة بالإرهابيين الدوليين، ووقتها غضبت الولايات المتحدة كثيراً، وأصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيان أدانت فيه «تواصل أردوغان المستمر» مع المنظمات الإرهابية، وحذرت من أن مثل هذه اللقاءات «تؤدي إلى عزل تركيا عن المجتمع الدولي».

وبعد التصنيف الأخير لحركة حسم ومؤسسيها المصريين اللذين يعيشان في تركيا، أصبح الرئيس التركي أردوغان متورطًا في جريمة إيواء إرهابيين مُصنفين دولياً في بلاده، وحمايتهم ضد تطبيق القانون. وهذا الأمر قد لا يؤذيه هو بشكل شخصي أو يؤذي حزبه الإسلامي التوجه وحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى فرض عقوبات دولية على تركيا، ولن يدفع ثمنها إلا الشعب التركي، الذي يعاني بالفعل من ويلات الفشل الاقتصادي والعقوبات الأميركية المفروضة مؤخراً على قطاع الصناعات الدفاعية.

رغم كل ذلك، ما زالت تركيا ترفض طلبات مصر بتسليم عناصر جماعة الإخوان المسلمين، الذين تأويهم تركيا على أراضيها، منذ عام 2013، بمن فيهم عناصر ميليشيا حسم الإرهابية، المتورطون في ارتكاب جرائم عنف وإرهاب ضد المدنيين والمسؤولين ومؤسسات الدولة في مصر. وقد اختار أردوغان، أن يستمر في حماية عناصر الإخوان حتى لو على حساب خلق خلاف سياسي حاد مع دول الشرق الأوسط المهمة سياسياً واقتصادياً وجغرافياً بالنسبة لتركيا، مثل مصر والإمارات والسعودية، وبإصراره واستمراره على إيواء عناصر الإخوان الآن، فقد أصبح أردوغان يخاطر بمكانة تركيا وأهميتها لدى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وعلاقة تركيا بالولايات المتحدة، خاصة في ضوء المعاملة الجافة التي يبديها الرئيس الأميركي الجديد بايدن تجاه أردوغان ونظامه.

هل يستحق الأمر قطع علاقات تركيا مع جيرانها في الشرق الأوسط وأوروبا، والمخاطرة بعلاقاتها مع الحلفاء في المجتمع الدولي، وتهديد رفاهية وأمن شعب قوامه 85 مليون مواطن، بسبب ما ينتظره من عزلة دبلوماسية وعقوبات اقتصادية؛ وكل هذا فقط من أجل توفير ملاذ آمن لأعضاء جماعة الإخوان المتورطين في أعمال عنف والمصنفين دولياً كإرهابيين؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج الرئيس أردوغان، ومستشاريه، إلى الإجابة عليه، قبل فوات الأوان.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع