إلهامي المليجي يكتب: عزتنا في وحدتنا.. أمل يتجدد

إلهامي المليجي

إلهامي المليجي

اليوم تحل الذكرى الثالثة والستين لأول وحدة عربية في التاريخ المعاصر. يتجدد معها الأمل في استعادة هذا الحلم الذي لا يزال حاضرًا في ضميرنا وعقولنا، نحن العرب بشكل عام والمصريين والسوريين على وجه الخصوص.

تجربة استمرت لثلاثة أعوام وما يزيد قليلًا على نصف العام، ولكن ذكراها لا تزال باقية. تهفو أرواحنا إلى صوت جمال عبد الناصر، مخاطبًا من قلب دمشق، الجماهير الحاشدة التي توافدت من أرجاء سوريا الكبرى: «أيها المواطنون.. إنني أشعر الآن، وأنا بينكم بأسعد لحظة من حياتي، فقد كنت دائمًا أنظر إلى دمشق، وإليكم، وإلى سوريا، وأترقب اليوم الذي أقابلكم فيه، والنهاردا.. النهاردا أزور سوريا، قلب العروبة النابض.. سوريا اللي حملت دائماً راية القومية العربية.. سوريا اللي كانت دائماً تنادي بالقومية العربية.. سوريا اللي كانت دائماً تتفاعل من عميق القلب مع العرب في كل مكان.. واليوم -أيها الإخوة المواطنون- حقق الله هذا الأمل، وهذا الترقب، وأنا ألتقي معكم في هذا اليوم الخالد، بعد أن تحققت الجمهورية العربية المتحدة».

لا نزال نطرب حماسًا لأغاني «وحدة ما يغلبها غلاب.. وحدة قوية وشعبها عربي.. من بردى للنيل أراضينا.. تحرسنا جيوشنا وتحمينا.. ولا حدش يقدر يعادينا .......».

سيظل الثالث والعشرين من فبراير (شباط) من العام 1958 يومًا فارقًا في التاريخ العربي الحديث، حيث أعلنت وحدة مصر وسوريا، الإقليمين اللذين تمتعا بحكم مشترك منذ الأسرة الفرعونية الحديثة وحتى أواخر أيام الحكم العثماني، وأصبحا الجمهورية العربية المتحدة، دولة قوية موحدة «تصون ولا تهدد.. تحمي ولا تبدد.. تصادق من يصادقها وتعادي من يعاديها».

يوم شهد استقبالًا أسطوريًا للزعيم جمال عبد الناصر من الجماهير السورية التوّاقة للوحدة، ومن فرط مشاعرها الفياضة، وفي حدث فريد حملت الجماهير على أكتافها السيارة التي كانت تقل عبد الناصر ومرافقيه، ما أثار دهشة العالم الذي تابع عبر وكالات الأنباء العالمية المشهد المبهر.

في الثامن والعشرين من العام 1961، استيقظ المصريون والسوريون في الإقليمين الشمالي والجنوبي على أنباء انقلاب عسكري في دمشق مناهض للوحدة، جاء الانقلاب تتويجًا لتآمر الإمبريالية الغربية والإقليمية والقوى الرجعية العربية والمحلية، فقد كانت ترى في الإعلان عن الجمهورية العربية المتحدة انقلابًا خطيرًا يهدد مصالحهم في منطقة «الشرق الأوسط»، حتى أن رئيس الوزراء البريطاني، ماكملان، سارع إلى دعوة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وفرنسا لاجتماع رباعي، لمناقشة ما أسموه أزمة الشرق الأوسط، وكشفت الوثائق البريطانية عن تلاقي إرادة الكتلتين الغربية والشرقية على إجهاض الوحدة بين الإقليمين الشمالي والجنوبي في كيان يحمل اسم الجمهورية العربية المتحدة.

إن المؤامرات على أمتنا العربية لم ولن تتوقف، فأعداؤنا يرون أن وحدتنا تمثل خطرًا على مشاريعهم التي تستهدف استنزاف ثرواتنا، ولم يعد خافيًا أن إحدى وسائلها تتمثل في دعوات التجزئة، على أسس إثنية وعرقية ودينية وطائفية، وهو أمر خطير يتطلب استعادة الخطاب الوحدوي، ومناهضة المشاريع التي تعمل على ضرب الهوية العربية.

إن خروج سوريا من أزمتها وتعافيها مما حل من خراب ودمار، وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن حقوق المواطنة لجميع أبنائها، يمثل خطوة مهمة في طريق استعادة الروح للمشاريع الوحدوية، فسوريا كانت وستظل قلب العروبة النابض، كما اعتبرها عبد الناصر، و«عز الشرق أوله دمشق» كما رآها أمير الشعراء أحمد شوقي .

وظني أن مصر تعمل حثيثًا على مساعدة سوريا في النهوض واستعادة عنفوانها، لتشكلا معًا جناحي الأمة، وتحلقا بأمتنا العربية إلى الآفاق التي تستحق، وإفشال ما يحاك للمنطقة من مؤامرات تستهدف تمزيقها إلى دويلات، توطئة لتحقيق المشروع الصهيوأمريكي «الشرق الأوسط الجديد».

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع