عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: أردوغان والليرة.. تخبط بلا حدود!!

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

في بداية الأسبوع الحالي، استيقظ الأتراك ومعهم كل المهتمين بالاقتصاد التركي على خبر غريب، وهو إقالة الرئيس رجب طيب أردوغان، لمحافظ البنك المركزي ناجي أغبال وتعيين شهاب قافجي أوغلو مكانه.

السبب المباشر المعلن هو أن قرار أغبال برفع سعر الفائدة بنسبة 2 في المائة لتصل إلى 19 في المائة أدى إلى رفع حاد في مستوى التضخم لامس حدود الـ16 في المائة.

أغبال هو ثالث محافظ للبنك المركزي يقيله أردوغان في أقل من عامين.

النتيجة المباشرة لقرار أردوغان بتعيين شهاب أوغلو محافظًا جديدًا هو انهيار الليرة التركية إلى مستوى غير مسبوق، ووصلت إلى 17 في المائة وانخفضت أمام الدولار مسجلة 7.82 ليرة  صباح الاثنين الماضى ثم واصلت الانهيار صباح الثلاثاء مسجلة 7.85 ليرة أمام الدولار ، وهو أدنى مستوى لها على الإطلاق ولتمحو أكثر من أربعة شهور من المكاسب التى تحققت بفضل سياسة المحافظ المقال ناجي أقبال، كما علقت البورصة تداولاتها بعد أن هبط مؤشرها لأكثر من 6.65 % صباح الاثنين وتوقف العمل بها مرة أخرى صباح الثلاثاء بسبب استمرار الانخفاض والتراجع.

لكن السؤال لماذا هذا التخبط المستمر من أردوغان وفريقه الاقتصادي، وهل يعقل أن بلدا كبيرا مثل تركيا، يعاني من مثل هذه السياسات المتقلبة؟!

أردوغان يصر على أنه الأكثر فهما للسياسات الاقتصادية والنقدية وكل أنواع الساسيات. من بين هذه الأفكار أنه يعارض تماما سياسة رفع أسعار الفائدة، ويرى أنها أم وأب كل الشرور، لأنها تؤدي إلى رفع معدلات التضخم بصورة تلقائية.

لكن مشكلة أردوغان وفريقه الاقتصادي أنه جرب كل الحلول تقريبًا، لكن النتيجة هى نفسها، أي مزيد من التدهور في كل المؤشرات الاقتصادية وتراجع قيمة الليرة، وارتفاع نسب الواردات والديون وبالتالي انخفاض مستوى معيشة المواطن التركي.

الهاجس الرئيسي الذي يشغل أردوغان هو الانتخابات الرئاسية فى 2023.

ما يحلم به أردوغان هو خفض معدل التضخم بنهاية هذا العام إلى 10 % ثم الهبوط بالنسبة إلى 5 % في العام الذي تجري به الانتخابات.

إذن القضية بالأساس لها بعد شخصي رئيسي، واستمرار التضخم، يعنى مزيدًا من فقر المواطنين، وبالتالى زيادة منسوب غضبهم، وهو ما يمكن ترجمته في صناديق الانتخابات إلى تصويت عقابي ضد أردوغان.

من حق أردوغان أن يحلم بالتجديد، ومن حقه أن يحلم بمعدل تضخم منخفض، لكن كيف الطريق إلى ذلك خصوصًا أنه جرب كل الحلول سواء برفع سعر الفائدة أو خفضها؟

تقديرات الخبراء والمتابعين تقول إن هناك انقسامًا حادًا داخل فريق أردوغان الاقتصادي. وأن قرار إقالة اغبال كان نتيجة إصراره على رفع سعر الفائدة، الذى حقق استقرارًا لليرة إلى حد كبير فى الشهور الخمسة الأخيرة.

ووكالة التصنيف الانتخابي موديز حذرت يوم الاثنين الماضي من أن إقالة اغبال سوف تؤثر سلبا على تدفقات رأس المال لتركيا، وتجدد الضغوط على سعر الصرف، ما سيؤدي إلى اتفاع معدل التضخم.

في المقابل فإن المحافظ الجديد شهاب فوجي أوغلو كتب مقالا الشهر الماضي، فى إحدى الصحف الحكومية يؤيد فيها أفكار أردوغان النقدية، خصوصا عدم رفع أسعار الفائدة. لكن موديز ترى أن هذه الأفكار ستؤدى حتما إلى زيادة الواردات وارتفاع العجز فى المعاملات التجارية.

ما يرجح حدوث ذلك هو أن التضخم ارتفع أكثر من المتوقع إلى 14.6 %على أساس سنوي في ديسمبر الماضي. وحاول المحافظ المقال أغبال رفع سعر الفائدة 2 % في ديسمبر الماضي واعدا بالمزيد من القيود النقدية لكبح التضخم المتصاعد، كما كشفت بيانات معهد الإحصاء في يناير الماضى عن ارتفاع مؤشر المستهلكين 1.25 % على أساس شهري.

ما لا يدركه أردوغان أن هذا التخبط يبعث برسالة مخيفة للمستثمرين، ويلقي بشكوك كثيرة على استقلال البنك المركزي، نظرا لعضوية المحافظ الجديد في الحزب الحاكم وتماهيه مع سياسات وأفكار أردوغان، خصوصا أن هناك تقارير متزايدة عن انقسامات عميقة داخل فريق أردوغان الاقتصادى بشأن الاستراتيجية المالية والنقدية التى يفترض اتباعها في المستقبل.

أردوغان يصر على تنفيذ أفكاره الخاصة في الاقتصاد، والنتيجة هي مزيد من الانهيار، فهل يدفع الثمن الكامل لهذا التخبط فى انتخابات 2023؟!

ويشترك المحافظ الجديد للبنك المركزي التركي، شهاب قوجي أوغلو، وهو مشرع سابق في الحزب الحاكم، مع أردوغان في وجهة النظرة غير التقليدية التي ترى أن ارتفاع أسعار الفائدة يسبب التضخم، وهو ثالث محافظ للبنك المركزي يعيّنه الرئيس منذ منتصف عام 2019.

والإقالة الصادمة لسلفه، ناجي إقبال، بعد يومين من رفعه لأسعار الفائدة لكبح التضخم، تعزز وجهة نظر المستثمرين، التي تلاحق اقتصاد السوق الناشئة لسنوات، وهي أن السياسة تلقي بظلالها على استقلالية البنك المركزي.

وقال مصدر لوكالة رويترز، إن قوجي أوغلو سعى إلى تخفيف قلق المستثمرين بشأن تحول حاد من التشديد إلى سياسة نقدية توسعية عبر إبلاغ الرؤساء التنفيذيين للبنوك يوم الأحد الماضي أنه لا يخطط لتعديل وشيك للسياسات.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع