إلهامي المليجي يكتب: مصر الفرعونية ومصر العربية.. سجال فكري وسياسي يتجدَّد

إلهامي المليجي

إلهامي المليجي

في الثالث من إبريل/نيسان، تابع الملايين من مصر والقارات الخمس على مدى أربعين دقيقة، بكل الإجلال والتوقير، الموكب المهيب والمبهر الذي يضم 22 مومياء لملوك وملكات الدولة المصرية القديمة. انطلق الموكب من المتحف المصري في ميدان التحرير بوسط القاهرة، باتجاه المتحف القومي للحضارة المصرية في منطقة الفسطاط، جنوبي شرق القاهرة، حيث المستقر الأخير للمومياوات التي حظيت بمراسم ملكية، واستقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي على مدخل المتحف.

بينما كان المصريون في أبهج حالاتهم، ويتابعون هذا الحدث الجلل بنجاح منقطع النظير، شهد به العالم، ويتملكهم إحساس بالفخر والاعتزاز لكونهم أحفاد من بنوا حضارة عظيمة، خرج علينا المدعو عبدالله رشدي، الداعية المثير للجدل، بتغريدة قال فيها: «هي مصرُ العربيةُ الإسلاميةُ..هذه هويتنا.. شاء من شاء وأبى من أبى»، مما أوجد سجالًا واسعًا بين قطاعات من المصريين حول هوية مصر، بعضهم ينحاز إلى الإسلام والعروبة من منطلق ديني، وبعضهم ينحاز إلى العروبة من منطلق سياسي وفكري. بينما قطاع واسع من الليبراليين واليساريين يرى أن مصر فرعونية.

هذا السجال أعاد إلى الأذهان واحدة من أكبر المعارك الفكرية في تاريخ المشرق الحديث، التي جرت في أوائل القرن المنصرم، أطلق شرارتها الأولى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، بمقال في جريدة كوكب الشرق، جاء فيه «إن المصريين قد خضعوا لضروب من البغض وألوان من العدوان، جاءتهم من الفرس واليونان وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيين».

انبرى بالرد السياسي والمثقف المصري عبدالرحمن عزام، الذي أصبح فيما بعد أول أمين عام للجامعة العربية، بمقال في جريدة البلاغ المصرية تحت عنوان «أليست مصر عربية؟!»، تضمَّن مطالبة طه حسين بأن «يذكر بعض الحوادث التي تدخل العرب المسلمين في زمرة البغاة المعتدين»، معتبرًا «أن المصريين قبلوا دين العرب، وعادات العرب، ولسان العرب، وحضارة العرب، وأصبحوا عربًا في طليعة العرب»، نافيًا أن يكون الشعب المصري الحالي من سلالة المصريين القدماء، اللهم إلا فئة قليلة، مضيفًا: «إن الأمة المصرية غمرها سيل من الهجرة العربية».

استمرت المعركة الفكرية والسياسية زهاء ست سنوات بين مؤيدين ومعارضين، واتسعت ساحتها إلى العديد من المنابر الثقافية والسياسية في عموم المشرق العربي، من وادي النيل إلى بلاد الرافدين مرورًا ببلاد الشام، وشارك فيها العديد من مفكري وكتاب وأدباء وسياسيي مصر والعراق وسوريا ولبنان.

وتعقيبًا على هذه المعركة القديمة والمتجددة، أرى أن نجيب محفوظ أبلغ وأدق من عبَّر عن الهوية المصرية، وكان ذلك في كلمته أمام احتفال الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل بإعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب؛ حيث قال: «أنا ابن حضارتين تزوجتا فى عصر من عصور التاريخ زواجًا موفقًا، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة، وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة».

وأضاف: «قُدِّر لي يا سادة أن أُولَد فى حضن هاتين الحضارتين، وأن أرضع لبنيهما وأتغذى على آدابهما وفنونهما، ثم ارتويتُ من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع