عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: قناة إسطنبول.. المعارضون أكثر إقناعًا

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

يوم الاثنين الماضي، اعتقلت سلطات الأمن التركية 10 من قادة البحرية المتقاعدين لأنهم وقعوا على رسالة تحذر من مشروع حفر قناة إسطنبول، وإمكانية تأثير ذلك على اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، التى تنظم حركة الملاحة البحرية عبر مضيق البوسفور.

الذين وقعوا على هذه الرسالة أكثر من مائة أدميرال متقاعد، واعتبروا أن اتفاقية مونترو تحمي المصالح التركية على أفضل وجه.

 أردوغان وأركان نظامه اعتبروا الرسالة تدخلًا صارخًا فى أعمال الحكومة، وقال أردوغان في مؤتمر صحفي، يوم الاثنين الماضي، «إن بيان القادة غير مقبول، ولا يمكن اعتباره حرية رأى التي لا تشمل حسب وجهة نظره عبارات تهديد الإدارة المنتخبة».

لن نناقش اليوم جوهر الخلاف وتداعياته بين أردوغان والضباط العشرة أو المائة اليوم، لأنه موضوع طويل ويحتاج لنقاش تفصيلي، لكن نسأل: ما هي حكاية مشروع قناة إسطنبول؟

نبدأ بوجهة النظر المؤيدة لمشروع قناة إسطنبول، حيث تقول الحكومة إن القناة هى أكثر المشروعات طموحًا، وتأتي مكملة لمشروعات بنية تحتية ضخمة، شملت إنشاء قطارات وجسور وطرق وأنفاق، وأن الهدف منها تخفيف الضغط على الممر الحالي بين أوروبا وآسيا عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يشهدان زحامًا كبيرًا، مما يؤدي إلى وقوع حوادث كثيرة.

المشروع أعلنه أردوغان عام 2011، ويقول إنه من المشروعات العملاقة التي ستزيد الناتج القومي للبلاد إلى تريليوني دولار، بحلول الذكرى المائة لإعلان الجمهورية في 2023. وأن مشروع القناة سيعزز سيادة تركيا على المضايق. وأن معارضي المشروع هم من أكبر أعداء أتاتورك والجمهورية.

القناة عبارة عن مجرى مائي موازٍ لمضيق البوسفور على بعد 30 كيلو مترًا من جنوب مضيق البوسفور، وتكلفته المبدئية تصل إلى 15 مليار دولار، طبقًا لتقرير لوكالة «رويترز» الذي يضيف أن القناة تمتد في غرب البلاد لتربط البحر الأسود في الشمال ببحر مرمرة في الجنوب بطول 45 كيلومترًا، وعمق 25 مترًا، ويبلغ عرضها 400 متر، يزيد ليصل إلى ألف متر في بعض النقاط، وسيقام فوقها عشرة جسور، طبقًا لما قاله وزير النقل التركي أخيرًا.

الحكومة تقول إن القناة الجديدة ستحقق دخلًا سنويًا يبلغ 8 مليارات دولار، كون القناة لن تخضع لاتفاقية مونترو، التي تنصل على حرية الملاحة في مضايق البحر الأسود من بينها البوسفور، ووقع على هذه الاتفاقية روسيا وبريطانيا وفرنسا واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا، وتسمح لسفن الدول المطلة على البحر الأسود بحرية المرور في حوض البحر.

ما سبق يمثل وجة نظر نظام أردوغان، لكن في المقابل هناك وجهة نظر معارضة تبدو منطقية ووجيهة.

أولاً هناك مخاوف تثير قلق البعض، خصوصًا موسكو، بشأن استخدامها لأغراض عسكرية، وقد تفتح الباب لوجود السفن الحربية الأمريكية.

ثانياً: المعارضة التركية تقول إن مشروع القناة، حال تنفيذه سوف يهدد النظام البيئي، وكذلك المناطق الأثرية حول القناة، بل ستعزل هذه المنطقة الأثرية في إسطنبول، وتحولها إلى جزيرة.

وحسب وصف عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، فإنها مشروع كارثي سوف يتسبب في مجزرة بيئية، خصوصًا أن عمليات الحفر سوف تتسبب في انهيارات أرضية، بل واحتمال حدوث زلازل.

أيضًا هناك دراسة أجرتها جامعة حجي تبه التركية، تشير إلى أن قطع أشجار الغابات شمالًا عن ساحل البحر الأسود سيحد من مستويات الأكسجين في المياه، ويزيد الملوحة التي ستصب في النهاية في بحر مرمرة، وبالتالي يؤثر على توازن الحياة البحرية، وتملأ هواء إسطنبول برائحة الماء العفن.

الإعلان عن قرب حفر القناة جعل أسعار الأراضي في المنطقة تقفز لأسعار فلكية من 7 دولارات إلى 184 دولارًا، وفي مناطق أخرى من 25 دولارًا إلى 800 دولار.

 وطبقًا للمعارضة، فإن الاستثمارات حول القناة قد تتسبب في زيادة عدد سكان إسطنبول بـ1.2 مليون نسمة، وهو ما يتعارض مع خطط إبقاء تعداد المدينة المكتظة أقل من 16 مليون نسمة.

النقطة الجوهرية للمعارضة تقول إن تحقيق أهداف 2023، التي وصفتها الحكومة بما فيها مشروع القناة، تحتاج إلى 700 مليار دولار للبنية التحتية، و400 مليار دولار للمشروعات الحضرية، وإن هذه التكلفة الضخمة ستشكل عبئًا على الاقتصاد، وسوف يتحملها عمليًا في النهاية المواطنون، في ظل غموض خطط واضحة لكيفية تمويل المشروع.

والنقطة الأخيرة جوهرية، لأنها يمكن أن تزيد الضغط على اقتصاد البلاد المنهك بالفعل.

ظني أن وجهة نطر المعارضة أكثر تماسكًا، ثم هناك نقطة غريبة، وهي كيف يتشدق أردوغان وينصب نفسه حاميًا للحريات والديمقراطية في المنطقة بأكملها، ولا يتحمل رأي مائة أو عشرة قادة متقاعدين تركوا الخدمة ويعيشون في بيوتهم ؟!

لا أظن أن اعتقال هؤلاء القادة بسبب رأيهم في مشروع القناة، بل له أسباب وهواجس كبيرة لا يشعر بها إلا أردوغان ونظامه.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع