إلهامي المليجي يكتب: في ذكرى الدرويش الصوفي المتجول

إلهامي المليجي

إلهامي المليجي

التقيته للمرة الأولى في مستهل ثمانينيات القرن الماضي في مدينة بيروت، خلال أحد مجالس المثقفين المصريين والعرب، وعندما ذُكِر اسمه صحت على الفور قائلا، بقدر من الاعتزاز: لقد درسنا أشعارك في المرحلة الإعدادية في المدارس المصرية، فباغتني برد مغلف بابتسامة مشوبة بالسخرية؛ أنا أيضا حينها كنت في المرحلة الإعدادية، فتشكل حاجز بيننا، سريعا ما أزاله بحديث لم ينقطع عن اشتياقه لمصر، وعمق محبته للمصريين، واعتزازه بمنشئه وامتنانه للبلد الذي شهد بروز موهبته الشعرية، وأسهم بدور كبير في تشكيل وعيه التعليمي والثقافي والفكري، وكثيرا ما كان يردد بأسى في العديد من حواراته الخاصة والاعلامية: «أنا شاعر أنتمي إلى الفكر والثقافة المصريين، ونهلت من التراث المصري، ولا أدري لماذا تتجاهلني المؤسسات الثقافية المصرية»، ملمحًا إلى حصوله على أرفع الأوسمة والجوائز الثقافية من بلدان عربية عدة: كالعراق والسودان وليبيا والمغرب وغيرها.

وكثيرًا ما أمتعني بأحاديثه العميقة عن الأدب والشعر والتراث، والصوفية والمذاهب الفلسفية ، وكان بارعًا في سرد الحكايات، ويبدع في رواية الدعابات، ويمكن اعتباره آخر جيل الحكائين العظام، وأذكر أولى حكاياته، والتي كثيرًا ما رددها على مسامعي في إطار الحديث عن مصر التي كانت تحتضن المواهب، وتدعمها، بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، والواقعة جرت في خمسينيات القرن الماضي، حينما كان طالبًا في المعهد الأزهري في الإسكندرية في المرحلة الثانوية، جاء إلى دار أخبار اليوم، حيث مجلة «آخر ساعة»، ودلف إلى مكتب الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي كان مكتظًا بالمراجعين من الأدباء والصحفيين، فوقف منزويًا في أحد أركان الغرفة إلى أن انتهى الشناوي من جميع مراجعيه، فانتبه إليه، وحينها دعاه للجلوس على المقعد المواجه للمكتب، وتوجه إليه مستفسرًا عن مطلبه، وطبقًا لروايته: مددت يدي المرتعشة مناولًا إياه -الشناوي- كراسة تضم بين دفتيها قصائد كتبتها بخط أنيق، ففتح الكراسة وبدأ يقرأ، وأنا أحبس أنفاسي، إلى أن استدار من وراء المكتب، واحتضنني بقوة محييًا إياي، فلم أتمالك نفسي، واغرورقت عيناي من فرط بهجتي وتأثري، واصطحبني على الفور إلى مكتب محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير «آخر ساعة» آنذاك، وقدمني إليه صائحًا: «موهبة»، وخلال دقائق كان قرار هيكل بتعييني محررًا بالقسم الثقافي للمجلة.

استمر تواصلنا في بيروت، وانتقل إلى دمشق، وتعمق في القاهرة الذي عاد إليها وزيرًا مفوضًا في السفارة الليبية، ويمكن القول إنه أصابني بعدوى الافتتان بوسط القاهرة، وتحديدًا بحي عابدين الذي شهد مراحل الفتوة والشباب، وكثيرًا ما اصطحبني إلى دروبه وحاراته، مستعيدًا ذكرياته.

لقد نسج قصائده بخيوط صوفية، ربطت ما بين الاحتفاء بالهم القومي والإفريقي، بل ومزجت بين قضايا الامة العربية ونضالات شعوبها، ومناصرة حركات مقاومتها، وبين هم القارة الإفريقية، ومعاناة شعوبها، ودعم حركات تحررها.
إنه الشاعر محمد الفيتوري الذي جسد العروبة في المولد والنشأة والترحال وحتى الممات، فقد ولد في غرب السودان، لأب صوفي سوداني من أصول ليبية، ورحلت اسرته إلى إحدى قرى محافظة البحيرة، ومنها انتقلت إلى مدينة الإسكندرية، حيث حفظ القرآن في أحد كتاتيبها، ليلتحق بعدها بالمعهد الأزهري، وبعد حصوله على الثانوية الازهرية، التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة، ليستقر بها، حتى يعود إلى السودان، ومنها إلى ليبيا التي تعينه دبلوماسيًا، ليتجول كدرويش بين الأمصار، وفي رحلته قبل الأخيرة عاد إلى مصر لسنوات، ويرحل بعدها ليستقر في المغرب، حيث موطن آخر زيجاته، بعد الفلسطينية المصرية والسودانية واللبنانية، وفي مقبرة الشهداء في الرباط يرقد جثمانه في سلام، بعد صراع مع الحياة والمرض، وستبقى ذكراه الطيبة، وأشعاره الرائدة.

لقد رحل بعد أن أوصانا قائلًا:
لا تحفروا لي قبراً
سأرقد في كل شبر
من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
 
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرًا

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع