إلهامي المليجي يكتب: عسكرة هبة القدس.. وحَرْفُ البوصلة

إلهامي المليجي

إلهامي المليجي

منذ شرعت الحركة الصهيونية في تأسيس الكيان الاستيطاني على أرض فلسطين، ووجهت وسهلت هجرة اليهود الصهاينة إلى فلسطين، شكل الصهاينة عصابات مسلحة بهدف الاستيلاء على الأراضي، وبث الرعب، والقضاء على مقاومة شعبنا الفلسطيني، فكانت عصابات الإنسل، وليحي، والهاجاناه، وشتيرن، والأرجون وغيرها، وبدأت مجازرهما بإلقاء قنبلة في سوق حيفا في العام 1937 أدت إلى استشهاد 18 من أهالينا العرب، وإصابة العشرات، وتلتها سلسلة من المجازر، حيث التجمعات في الأسواق والمساجد، ولم تنج مدينة من تلك الأعمال الإجرامية، وكان للقدس وباب العامود نصيب منها، وتصاعد حجم المذابح والتصفيات مع الاعلان عن تأسيس الكيان عقب حرب 1948، فكانت مذبحة بلدة الشيخ، ودير ياسين، وكفر قاسم، وقلقيلية، وخان يونس، وجنين، بالإضافة إلى مذبحتي الحرم الإبراهيمي، والمسجد الأقصى.

على الجانب الآخر، سطر شعبنا الفلسطيني صفحات خالدة من النضال والتضحية، في مواجهة سياسة الضم والترويع والعدوان التي يمارسها جيش الاحتلال وعصاباته، وقدموا في سبيل ذلك مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى.

ومع أول شهر رمضان المبارك اندلعت هبة القدس الباسلة، في مواجهة قوات الاحتلال الغاشم ومستوطنيه، الذين يقترفون على مدار الساعة الجرائم ضد أهالينا في مدينة القدس، ويدنسون المسجد الأقصى، ويمارسون التطهير العرقي ضد سكان حي الشيخ جراح، وامتدت هبة القدس إلى مساحة خريطة فلسطين التاريخية، في خطوة تاريخية تعيد الاعتبار مجددًا للفعل الشعبي المقاوم، الذي لم تنحرف بوصلته في سعيه لتحرير كامل التراب الفلسطيني، وإقامة دولته الوطنية الفلسطينية.

لقد كانت لمشاهد التحدي من قبل الشابات والشباب العزل، من أبنائنا في فلسطين، وهم يواجهون جنود الاحتلال الهمجي المدجج بالسلاح والحقد والعنصرية، انعكاسات إيجابية هائلة، عربيًا ودوليًا، حيث كشفت عن شباب يتحدى الموت في سبيل الذود عن أرضه ومقدساته، ما وسع من حجم التعاطف الشعبي عربيًا ودوليًا مع الحق الفلسطيني، وتجلى ذلك في العديد من الوقفات والندوات التضامنية، فضلًا عن الحملات الواسعة على وسائل التواصل الاجتماعي وإطلاق «هاشتاجات» داعمة للمقاومين للتطهير العرقي، والرافضين لتدنيس المقدسات، ما قد يسهم في تغيير المناخ، في الاصطفافات الإقليمية والدولية لصالح القدس.

وبينما تحقق الهبة نجاحات على الأرض، وتلقى تضامنًا واهتمامًا وتفاعلًا واسعًا شعبيًا ورسميًا، وتصبح القضية الأبرز على وسائل الإعلام، عمدت بعض التنظيمات المسلحة في غزة إلى عسكرة المواجهة، وإحلال الأذرع المسلحة في صدارة المشهد على حساب العمل الجماهيري الواسع، ما قد يسهم في حَرْف بوصلة المواجهة في القدس إلى قطاع غزة، وذلك لا يخدم القضية الفلسطينية، بل سيعطي الصهاينة ذريعة لاستخدامها ضد المصلحة الفلسطينية.

إن التجارب السابقة أثبتت أن مفهوم ردع الإرهاب الصهيوني بالصواريخ التي تطلقها الفصائل المسلحة، قد فشل عمليًا، بل يؤدي إلى مضاعفة معاناة أهلنا في غزة، وحصد المزيد من الأرواح، وتوسيع حجم التدمير للبنية التحتية والمنازل، بينما التصعيد بالوسائل الشعبية الخشنة، من استخدام الحجارة والبالونات الحارقة وغيرها، يسهم في خلق حالة من الذعر بين المستوطنين، فضلًا عن ارهاق القوات الصهيونية، مما يؤدي إلى تخفيف قبضتها عن أهلنا في القدس.

ظني، وليس كل الظن إثمًا؛ أن قيادة حركة «حماس»، وبالمشاركة مع قادة الكيان الصهيوني، يجهزون لطبخة مسمومة، برعاية دويلة عربية وظيفية، ودولة إقليمية عضو في حلف الناتو، طامحة لعودة ما يسمى «الخلافة»، والدويلة والدولة هما راعيتان رسميتان للإرهاب.

كان الله في عون شعبنا الفلسطيني البطل الواقع بين مطرقة الصهاينة، وسندان حركة «حماس».

التحيّة لأهلنا في القدس، وفي عموم فلسطين الذين يسجلون أروع ملاحم الصمود، في وجه المخططات الاستيطانية التي تستهدف التطهير العرقي.

الفخر والاعتزاز بأهلنا في القدس، وعموم فلسطين الذين يواجهون بصدورهم العارية، ونظراتهم النارية، آلة الحرب الصهيونية المدججة بأحدث أنواع السلاح والعتاد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع