عبد الجليل الشرنوبي: ماذا لو اتحد حكام العالم مع إبراهيم منير وتنظيمه؟!

عبد الجليل الشرنوبي

عبد الجليل الشرنوبي

بعد جولات مخاضٍ عالمية شهدها العِقد الماضي من عمر الإنسانية، يتحرك الواقع العالمي نحو تدشين «عالمٍ جديد»، بحسب توصيف وجوه عدة في الإدارات الدولية على رأسها الإدارة الأمريكية، وبحسب الواقع فإن منطقتنا العربية كانت مركزًا لهذا المخاض الأممي، وهو ما تطايرت دماؤه لتصدم وعيَّ الإدارات ومن قبلها الشعوب، ولقد كان من أدوات هذا المخاض الرئيسية تنظيم الإخوان الدولي بأذرعه القُطرية التي نَشطت بدايةً من تونس فمصر وليبيا وسوريا واليمن، نشاطًا استهدف «التمكين» تجريبًا، ودفعت هذه الأقطارُ ومواطنوها كُلفَتَهُ كاملةً... إرباكًا للمؤسسات والمجتمعات... وإنهاكًا للقوى والمقدرات... وإسقاطاً لأنظمة وإدارات. حتى استحالت فواتير هذا «التمكين التجريبي» مُهدِدَةً لبقاء القلب التنظيمي من جهة والتمدد القاعدي لأفراده من جهة أخرى، وهو ما يعني حتمية «إعادة التموضع» قُطريًا ودوليًا بما يسمح بتجاوز سلبيات «التمكين التجريبي» على مستوى المجتمعات وأفرادها، ويُتيح الفرصة لإدارة التنظيم الدولي لتُعيد تقديم نفسها باعتبارها ذات القاعدة الشعبية الأكبر والأقدر على صدارة مشهد العالم الإسلامي السنبي شرقًا وغربًا.
(كيف يُمكن عالميًا تجاوز كل ما انفضح من حقيقة التنظيم الإخواني خلال التمكين التجريبي)؟
كان هذا هو السؤال الذي يؤرق إدارة التنظيم الدولي للإخوان في مساعيها نحو اللحاق بمقعد على طاولة الإدارة العالمية الجديدة، خاصة وأن القضايا ما تزال حيةً في الأذهان والضحايا لم تبرد دماؤهم ولم تلتئم جراحهم، السجون تعج بقياداتٍ وقواعد سقاتهم أيادي قيادة التنظيم نحو التورط في جرائم صريحة.
الخلافات تتقد نيرانها بين فِرَق التنظيم التي آمنت بخطاب الجهاد حين اعتمدته رسميًا إدارة التنظيم الدولي؟ وفرَق ثانية تستطيع أن تسمع وتطيع لكل خطابٍ حسب طبيعة المرحلة وتكليفات «إخوانَّا اللي فوق»، كما يُقال في العالم الإخواني، فضلًا عن فِرقٍ متعددة من شباب التنظيم ودوائرهم وحلفائه الذين صنع منهم الإخوان نجومًا في مرحلة سابقة ليسهُل استخدامهم كيفما شاءت خططه ثم تحولوا إلى معارضته حين استنفذوا أغراضهم؟
اللحظة الفارقة لإعادة التموضع
(إعادة التموضع الشامل قياديًا وقاعديًا وقطريًا ودوليًا)
كان هذا هو الحل الذي يجب أن يتم تطبيقه فور أن تحين «اللحظة الفارقة»، تلك التي ينتظرها الأخ إبراهيم منير منذ وصوله (لندن) عام 1974 مُكلفًا بإنشاء «المركز الإعلامي العالمي للإخوان» قبل أن يُصبح أمينًا عامًا للتنظيم الدولي فنائبًا للمرشد العام.
ولقد بدأت بشارات «اللحظة الفارقة» تهل على «الأخ إبراهيم» بمجرد إعلان خبر وفاة زميله السابق في مكتب الإرشاد العالمي (الدكتور محمد مرسي)، والذي كان استمراره حيًا حجر عثرة في طريق «إعادة التموضع» الإخواني على كل المستويات، حيث كان السؤال الرئيس حال بداية ذلك في وجوده هو :
إذا كانت الجماعة قد تخلت عن شرعية مرسي فلماذا ساقت قياداتها وقواعدها ومؤيديها والمتعاطفين معها إلى مواجهات شاملة مع كل مكونات الدولة المصرية؟
لكن إزاحة مرسي من المشهد بوفاته لم تكن «اللحظة الفارقة» المؤهلة لـ«إعادة التموضع» الإخواني محليًا ودوليًا بما يؤهل القيادة الدولية للحصول على مساحات الحركة اللازمة دون التقيد بتبرير خطايا العقد الماضي.
لمْ يطل انتظار «الأخ إبراهيم»، حيث حمَلتْ إليه نسمات الخريف الماضي إذن المثول في حضرة (اللحظة الفارقة) حيث المقعد القيادي الأكبر الذي طال انتظاره، والموقع الإداري الأهم في تاريخه، والتحوُّل غير المسبوق في تاريخ تنظيم «الإخوان» من إدارة تنظيمية مركزها القاهرة إلى مُناظرة مركزها عاصمة الضباب (لندن).
قامت الإدارة الأمنية المصرية بإنجازها الأكبر لتصطاد ثعلب التنظيم العجوز والقائم بأعمال المرشد (السيد محمود عزت)، بعد سبع سنواتٍ من الهروب والاختباء والتخفي قضاها الرجل يُدير التنظيم من مهربه ويقطع على «الأخ منير» طريق الوصول إلى لحظته الفارقه، وبغير إرادة يّصب النجاح الأمني المصري في صالح أحلام «الأخ منير» المؤجلة، والذي لم يشغله كثيرًا تضييع الوقت في بكائيات على سجن أخيه «عزت»، بل سرعان ما أطاح بأمين التنظيم المصري (محمود حسين) من موقعه وألغى الموقع وكل التشكيلات القديمة ونصب نفسه - وفق اللائحة - وباعتماد شورى الخارج (قائمًا بأعمال المرشد) ومستحدثًا «لجنة» لتسيير الأعمال لا صوت فيها يعلو فوقَ صوتِه، ثم راح يُسكِن كافة الأسطح الملتهبة بفعل تشكيلاته القُطرية وتحالفات أقطار التمكين، لتبدأ خطوات «إعادة التموضع» من دوائر السخونة والفضح، والجميع يرفع شعار «فك الارتباط» الظاهري بين تشكيلات التنظيم في الأقطار، وهو الإجراء الذي استبق به الأقطار التنظيم الإخواني الفلسطيني (حماس) بزعم فك الارتباط مع التنظيم الأم (الإخوان)، وبلغ حد التطور لدى «إخوان ليبيا» تجاوز الإعلان الحمساوي إلى التخلي عن الاسم (الإخوان) والعمل تحت مظلة جمعية ليبية تحمل اسم «الإحياء والتجديد» مع قطع بيان إعلان هذه التحوُّل بأنها جمعية «داخلية لا تتبع أحداً في الخارج ولا علاقة لها بجماعة الإخوان العالمية»!

تسارع الخطوات
في هذا التوقيت تسارعت خطوات الحلفاء الأتراك والقطريين بغلق مرحلة الدعم العلني للتنظيم، وتجاوز المواقف السابقة بفتح صفحة جديدة مع أقطار المواجهة للإخوان وعلى رأسها (مصر – الإمارات – السعودية)، وفي هذه الأثناء يكون الذراع المتمكنة في غزة متاهبًا للحظة الحضور في القضية الإنسانية الأهم (فلسطين). وبمجرد حضوره تكتمل خطوات المسير التنظيمي نحو «إعادة التموضع» عالميًا عبر قيادة جديدة لم تكن مسؤولة عن خطايا التمكين التجريبي في بعض الأقطار ومنها قُطر المنشأ (مصر)، وتملك الكثير من قنوات الاتصال مع متسيدي العالم الجديد، وتسعى أذرعها لتبريد الأسطح الملتهبة وعلى رأسها الساحة الفسلطينية، وتُقدِم وجوهها الجديدة خطابًا ينطلق من مسلمات الحقوق الإنسانية وصولًا إلى قبول «الإلحاد – الشذوذ»!
بمجرد الوصول إلى هكذا أداءات يخرج على العالم مبعوث الإنقاذ الإخواني الجديد (الأخ إبراهيم منير) ليوجه أحدث رسائله حاملةً توقيعه بصفتيه (نائب المرشد – قائماً بالأعمال)، ويتصدرها نداء «يا حكماء العالم ... اتحدوا»، جازمًا بفشل نموذجي الاشتراكية كارل ماركس والرأسمالية، ومستدلًا بالنموذج (الفسلطيني) ومُنطلِقًا نحو المطالبة بـ«العمل الجاد والمنصف والمخلص لإنهاء هذه الكارثة بالتصدي للثقافات والسياسات التي أنتجتها مرحلة ماركس /رأس مالية»، ومُحدِدًا المُخاطبين بالدعوة (حكماء العالم من كل الأديان والثقافات -المخلصين من الرسميين الذين يدركون ردود الفعل لما يحدث من مخاطر في مرحلة قفزت فيها إمكانيات رد الفعل، بحكم التكنولوجيا الفنية الحديثة، إلى قفزات لا نرجوها)، وفي نهاية نداءه يرتدي «الأخ منير» مسوح التضحية وهو يكرر النداء مُحددًا مقصوده بتجريده من كل لبس (يا حكام العالم اتحدوا)، ومردفًا في «وداعة» تقطر من الأحرف (قد لا يرضى عن ندائنا البعض، ولكن باسم جماعة الإخوان المسلمين أقول: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت).
اللعبة التنظيمية الحلوة
دَعوني لا أُنكر على الأخ إبراهيم منير حقَّه في الإشادة، حيث أنَّ «اللعبة» حين تكون «حلوة»، فمن الجدير أنْ نرفَع لها القبعة، وهو تقليدٌ غريبٌ في الشرق إلا أنه غير غريب على «الأخ منير» بحكم حاضنته الإنجليزية (لندن) منذ عام 1976 وحتى اللحظة، والتي كَبُرَ على أرضها وترعرع في خيراتها وثقافاتها وعلاقتها تحت أعين أجهزتها ورعايتها حتى أصبح الرجل الأوَّل في تنظيمه الدولي (الإخوان)، إنَّ هكذا روحًا رياضية تفرض الاعتراف في مقام «اللعبة الحلوة» طالما هيَّ تجري على ساحة الاحتراف ...
وهلْ هناك ساحةُ احتراف أوسع من الساحة العالمية؟
وأيُّ ألعابٍ تلكِ توازي اللعب على رُقعةٍ مفتوحة هي العالم، حيثُ أوراق اللعب أوطانٌ وإنسان؟
هكذا أجلس في مقعد كل «أيوب» مصري يتابع تتابع جولات اللاعبين على رُقعة واقعنا منذ عام 1928 حين تأسس التنظيم الإخواني على يد مؤسسه حسن البنا تحت أعيُّن نفس الأجهزة الإنجليزية وبرعايتها حتى كبُرَ وترعرع التنظيم تمامًا كما يحدث منذ أربعة عقود مع الرجل الذي أصبح رسميًا قائمًا بأعمال المرشد للتنظيم الدولي للإخوان، غير أن طبيعة المرحلةَ مع سابقة الحياة داخل (عالم الإخوان)، يُحيلان الهارب منِهُ إلى مقعد التدبر في المشهد أملًا في ألا يُكَرِر التاريخ أخطاءً عايشها «أيوب» في بلاده خلال تسعة عقود ويزيد على مواجهاتنا لأصل كل تنظيمات التطرف والإرهاب التي تعتمد استثمارات الدين الإسلامي ضمانة قيامها وتطورها واستمرارها.
وهلْ هناك أقوى في بناء أي تنظيم من أن تقوم أسس بنائه على عقيدة دينية؟
وأيُّ تنظيمٍ يجمع كل أدوات استثمار الأديان شمولًا وتفصيلًا مثلما يقوم بذلك تنظيم الإخوان؟
إنَّها الأسئلة التي يطرحها «قسم التربية» بالتنظيم عبر مسئوليه بالشعب على كل «أخ» في أوَّل دوراته التكوينية ليبدأ الحصول على موقعٍ في عضوية «التنظيم» بعدما يُقسم مبايِعًا على «السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره»، وهي نفسها التي تمثل المسوغات لأن يُقدِّمَ قادة التنظيم الدولي أنفسهم لإدارات العالم باعتبارهمِ الإدارة الأممية الجديرة بالشراكة في إقامة وتطوير «العالم الجديد» عالم ما بعد «الربيع العربي» أو عالم ما بعد «الشرق الأوسط الجديد»، وهي المسوغات التي تفرض على المعني بالمصير الإنساني محليًا ودوليًا التنبه لخطر «إعادة التموضع الإخواني على خريطة العالم»، بما يفرضه ذلك من تطوير أدوات المواجهة له تعريةً وتوعيةً وتحصينًا جنبًا إلى جنب مع تطوير أدوات بناء الأوطان ابتداءً بلبنته الأساسية (الإنسان)، وبغير هكذا تَنبُه وتطوير لآليات المواجهة لن يكون التهديد الإخواني موجهًا صوب مصر أو النطاق العربي أو حتى الإسلامي بل إن الجولات القادمة سيكون مركزها دولة الإدارة الحالية وعاصمتها (لندن) وجيرانها في الغرب.. إنَها الحقيقة التي يتوهم الكثيرون أن مهدداتها لن تطالهم.

أَيُّوبْ أدَانُهْ قَديمْ... والمَدْنَّه فِيهْ قَايْمَهْ
تِحْضَرْ صلاتُهْ يِهِيم... تِصْحَى أُمَمْ نَايْمَهْ
أَمِّمْ إيمانها غَشيمْ... طَمَّع عِدا حَايْمَهْ
إِيمانْ وبَاعُهْ لَئيمْ... والبِيعَهْ مُشْ دَايْمَهْ

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع