عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: أردوغان الذي دمر الليرة

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

يوم الأربعاء قبل الماضي، هبطت الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق مسجلة 8.88 ليرة مقابل الدولار، وقبلها بخمسة أيام كانت سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا في التراجع، حيث سجلت 8.6 ليرات مقابل الدولار، متجاوزة الرقم الأسوأ السابق، وهو 5.58 في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، خسرت الليرة 16 في المائة من قيمتها، وهو معدل كبير جدا، هذا التراجع جعل الليرة تسجل الأداء الأسوأ في الأسواق الناشئة على المستوى العالمي، بعد أن كانت العملة الأفضل في هذه الأسواق لسنوات طويلة.

التراجع الأخير سببه المباشر هو تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد أن قال «تحدثت إلى محافظ البنك المركزي، ونحتاج بالتأكيد إلى خفض أسعار الفائدة، ونحتاج من أجل ذلك أن نرى أسعار الفائدة تبدأ في الانخفاض في يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، حتى نتمكن من رفع العبء على الاستثمارات».

ونتيجة لهذه التصريحات من أردوغان، انتشرت المخاوف من ارتفاع التضخم، ليس فقط على مستوى تركيا، ولكن على المستوى العالمي. إضافة إلى عامل مهم ظهر في الأفق مؤخرًا، ويتعلق باحتمال إجراء انتخابات مبكرة، حسبما تطالب المعارضة، التي ترى أن حكومة أردوغان قد أفلست تمامًا، وينبغي أن تخضع لاختبار شعبي جديد عبر صناديق الانتخابات، وهي الخطوة التي لا يحبذها أردوغان لإحساسه بتدني شعبيته وشعبية حكومته ونظامه في الشهور الأخيرة.

انهيار الليرة وتراجع قيمتها المستمر هو الكابوس الذي يؤرق أردوغان، ليل نهار، ويحاول جاهدًا أن يوقفه بكل الطرق الممكنة، والمؤكد أن محاولاته للتصالح مع مصر وبلدان الخليج لا تفسير له إلا هذا الأمر.

هذا الانهيار يعنى أن مستوى معيشة المواطنين الأتراك، يتراجع، من أول مدخراتهم في البنوك بالعملة المحلية، نهاية بمعدل التضخم المرتفع، مرورًا بزيادة الأسعار، وبالتالي زيادة نسبة الفقر والفقراء. وهنا مربط الفرس لأن هؤلاء المواطنين هم الذين سوف يذهبون إلى صناديق الانتخابات، والمؤكد أنهم سوف يصوتون ضد أردوغان وحزبه «العدالة والتنمية».

الشاغل الأكبر لأردوغان أن يصل إلى أي انتخابات مبكرة، وسعر الفائدة، يعود إلى معدلاته الطبيعية القديمة، أي ٤ ليرات مقابل كل دولار. وبالتالي فمن وجهة نظر المتابعين للشؤون التركية، فإن كل ما يفعله أردوغان من تحركات سياسية واقتصادية داخلية وخارجية، هدفه الأساسي تحسين الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التدهور على مختلف المستويات.

ظني أن المشكلة الاقتصادية التي تواجهها تركيا هذه الأيام، بل في الشهور والسنوات الأخيرة، سببها الرئيسي هو أردوغان نفسه، الذي يعتقد أنه خبير اقتصادي عالمي من طراز رفيع، ويفهم في أمور الاقتصاد والمال أفضل من جهابذة المؤسسات الاقتصادية الدولية.

أردوغان الذي يصنف نفسه باعتباره «عدو الفائدة»، يظن أن رفع سعرها هو مصدر كل الشرور والآثام الاقتصادية، ورغم أنه ضغط على العديد من محافظي البنوك المركزية لتخفيض أسعار الفائدة طوال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن الأمور لم تتحسن، بل كانت النتيجة هي مزيد من التدهور.

هذا الأمر يفسر لنا أنه خلال عامين فقط، أقال أردوغان آخر 3 رؤساء للبنك المركزي التركي، هو يريدهم أن يتبعوا تعليماته وآراءه وأفكاره التي يثبت كل يوم أنها غير صحيحة، وتنتمي إلى تمنيات وأوهام وليس حقائق على الأرض.

في مارس، أقال المحافظ ناجي آقبال، وعين شهاب قافجي أوغلو مكانه، وفي أواخر الشهر نفسه أيضًا أقيل مراد جتين قايا، وحل محله مصطفى دومان. والنتيجة هي تراجع مصداقية البنك بشدة، بل إن 4 من أصل 7 أعضاء في لجنة السياسة النقدية التي تحدد أسعار الفائدة، خبراتهم لا تتجاوز عامًا واحدًا في مناصبهم الجديدة، بما في ذلك المحافظ الجديد.

كتبت في هذا المكان أكثر من مرة عن هذا الموضوع، وأكرر اليوم بأن أردوغان يجني ثمن سياساته الداخلية والخارجية الفاشلة، هو تدخل في الشؤون الداخلية للعديد من بلدان المنطقة العربية، وأرسل قواته وميليشياته ومرتزقته إلى العراق وسوريا وليبيا، ويساند جماعة الإخوان والعديد من الجماعات الإرهابية. ثم إنه قمع بلا رحمة كل المعارضين في بلاده وانتهك حقوق الإنسان، وقيد الحريات، وألقى بهم في غياهب السجون. هو تصادم مع كل الجيران في مشكلة شرق البحر المتوسط، وكانت النتيجة أنه جعل بلاده تعيش في عزلة حقيقية. ثم أنه يتصادم مع روسيا في سوريا، ومع الولايات المتحدة في العديد من الملفات، والنتيجة النهائية هي «صفر توافق»، بعد أن كان شعار حزبه في بداية صعوده عام 2002 «صفر مشاكل». ويوم السبت قبل الماضي، قال مكتب صندوق مارشال الألماني في أنقرة أن مصداقية أردوغان قد انتهت في واشنطن، وأن علاقته بالولايات المتحدة تتدهور بعمق، خصوصًا بعد اتهام واشنطن له بأنه معاد للسامية على خلفية تصريحاته بعد العدوان الإسرائيلي الأخير ضد غزة.

الخلاصة الأساسية أن مشكلة الليرة والاقتصاد التركي بالأساس هي مشكلة سياسية، وبالأحرى هي مشكلة أردوغان، وحينما يترك أردوغان الخبراء يديرون الاقتصاد، ويتوقف عن الإفتاء فيما لا يعرفه، وحينما يتوقف عن التدخل في شؤون الآخرين، ولا يورط بلاده في مشاكل لا طائل من وراءها، إذا حدث ذلك، فربما تبدأ الليرة التركية في التعافي.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع