عبد الجليل الشرنوبي يكتب: احترس من فضلك.. سيارة الإخوان تعود للخلف

عبد الجليل الشرنوبي

عبد الجليل الشرنوبي

بعيداً عن المساحات التقليدية الإعلامية، كُنت على منصة الحوار في مسرح «الكشافة» حيث جمهور تتراوح أعمار حضوره بين 15 و22 عاماً على أقصى تقدير، جمهورٌ يختلط فيه طلاب المرحلة الثانوية بالجامعية ويتشارك الجميع في كونهم بادرات أملٍ قادرة على أن تطرحه فعلَ بناءٍ يفرش وجه الدُنيا، جميعهم الهدف لكل ساع إذا ما أحسن الرعاية، وجميعهم الأهداف التي تترصدها خطط المستهدفين للوطن وناسه.

كانت دعوة من المُعِدة بالتلفزيون المصري «إيمان نبيل» للمشاركة في «الملتقى» الذي يتم تصويره في مسرح «الاتحاد المصري العام للكشافة والمرشدات» تحت رعاية الهيئة الوطنية للإعلام ووزارة الشباب والرياضة، فيما يتم بثه مُتلفزاً عبر حلقاتٍ تحمل نفس الاسم ويُدير حوارها الإعلامي خالد سعد، والدَعوة إلى حوارٍ مع هكذا جمهور تَلْقى لدي محفزاتٌ متعددة، خاصة أن العبد لله في حياته التي كانت داخل عوالم التنظيم الإخواني، قضى شطرها موجهاً نشاطه صوب العمل مع هذه الشريحة العمرية شاملة تلاميذ المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وبالتالي فإن كل دعوة لحوارٍ مع هكذا جمهور تحمل عندي أهدافاً متعددة يتخالط فيها محاولات التنوير تنبيهاً والتحصين توعية مع استهدافي التكفير عن سنواتٍ من النشاط بالتأكيد كان لها أثرها في نشر جراثيم الأفكار الإخوانية بين هذه الشريحة العمرية متعددة المستويات.

ودعوني ابتداءً أدق أجراس الخطر التي تحمل معها نداءً مُسَجَلاً كان ينبعث من السيارات حين تتخذ وضعية الرجوع لتحذير الواقفين خلفها (انتبه من فضلك السيارة ترجع إلى الخلف)، وهو النداء الذي كان يُسيطر على فضاءات عقلي أثناء جلوسي في مواجهة هؤلاء الصبايا والفتيان، إذ إن واقعهم المعرفي يجزم بأن انشغال الوطن المصري بمعارك الخلاص من تهديدات عديدة صريحة فرضها العقد الماضي، جَعَل ترتيب أولوياتنا تُؤخر نسبياً ما له علاقة بالوعي وخاصة فيما هو موجه نحو الأجيال الجديدة، وربما يكون المبرر هو حتمية إدراكهم لطبيعة تهديدات التطرف والإرهاب بفعل ما تجلى من حوادث وأحداث خلال السنوات الماضيات، لكنْ هذه المعارف الجمعية عادة ما تكون مؤقتة الأثر حسب المناسبة الحادثة، وهو ما يجعلها مجرد معلومات عابرة تتزاحم آثارها على الوعي في تتابع وتدفق جمعي أوسع أثراً يتسم بالآتي:

1-         تسارع إيقاع الأحداث بتنوعها على كافة الجبهات في الداخل والخارج.

2-         تطور متسارع في الاتصال وتقنياته جعل الفرد –حامل الهاتف الرقمي - على قارعة طريق التلقي.

3-         تراجع أدوار الأسرة في التوجيه مع تتابع أسباب مصارعة المعايش.

4-         تشتت خطابات الوعي الوطني في مواجهة جبهات الأحداث والحوادث الملتهبة داخلياً وخارجياً.

5-         نمطية الخطاب التوعوي المُوجه لهذه الشرائح العمرية.

6-         بيروقراطية الأداء الإداري وأوعيته التي تستهدف احتواء وتفعيل وتطوير طاقات الطليعة من الفتيات والشباب.

7-         ديكورية اللجان الشبابية الحزبية وموسمية نشاطها التي عادة ما تقترن بمواسم الانتخابات.

8-         خمول البيئة الثقافية والإبداعية ومسارات أنشطتها المختلفة خاصة في قرى الأقاليم.

إن هكذا ملامح لواقع تُعيدنا مباشرة إلى ما كُنت شاهد عيان عليه منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي وحتى نهاية حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وهو ما يعني أن أجيال صناعة المستقبل يتم تعطيل آلاتها بتجاهل أسباب الواقع لها من جهة، ومنْ ثَمَ تُصبح وحيدة في مواجهة شراك الاستهداف الإخواني لها، ومن المهم في هذا الصدد أن نؤكد أن تحديد «الإخوان» هنا لا يُمثل إلا الإشارة إلى أصل فكرة «التطرف والإرهاب» والتنوع في اسم اللافتة يُمثل تنويعاً على أصل المشروع (استثمار الدين الإسلامي لتعطيل الأمم ولضمانات مصالح المتربصين بهم عالمياً)، والحقيقة أن التنظيم الإخواني يُدرك جيداً أن ضمانة بقائه واستمراره في كل مراحل عمره منذ 1982 يعود لقدراته الهائلة على الكمون ظاهرياً في فترة الأزمات – المحن -، مع العمل التحتي الموجه نحو الأجيال الجديدة لضمان الاستمرار أو حسبما يوصفون (توريث الدعوة)، ولهذا ففي اللقاء الشهير – المُسرب - الذي جمع القيادي التونسي عبد الفتاح مورو بنظيره المصري وجدي غنيم عام 2011، قال الأول للثاني على سبيل الطمأنة في مواجهة تنامي المعارضة التونسية للتنظيم الإخواني (لا يعنينا هؤلاء الكبار الذي يعادونا الآن لأننا نعمل على المستقبل!، فأبناءهم وأحفادهم يدرسون في مدارسنا ويخضعون لبرامج أنشطتنا وهؤلاء هم من نراهن عليهم)!!. إنه تحديداً:

ما قام به التنظيم في كل الأقطار خلال فترة المواجهات الناصرية للتنظيم.

وهو أيضاً ما يتم داخل قطاعات الأجيال الجديدة في أقطار شبه الجزيرة العربية خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي حين استطاع دعاة ومعلمو التنظيم خديعة الإدارات باسم الدين.

وهو ما تم في نفس الفترة وبعدها مع الأجيال الجديدة في أقطار الغرب (أوروبا والأميركتين).

وهو الذي حدث في أقطار الشرق الآسيوي والعمق الأفريقي.

وفي تقديري أن ثمانينات القرن الماضي في مصر مثلت نموذجاً مهماً لانتشار التنظيم في أوساط الأجيال الجديدة (ابتدائي – إعدادي – ثانوي)، وبهم حقق التنظيم انتشاره الأكبر في الجامعات والاتحادات الطلابية والنقابات ثم التوسع خارج هذه الأطر خلال العقد الأخير من القرن الماضي، إنها سياسة «النفس التنظيمي الطويل»، أو بحسب صياغة خطط التنظيم (الأرض مقابل الزمن).

هل تسمعون معي الآن «احترس من فضلك السيارة ترجع إلى الخلف»؟!

إن عودة سيارة التنظيم إلى الخلف تعني:

وجوب سعي التنظيم لتهدئة سطحه تماماً بتغيير كل الخطابات الإعلامية التي سبق اعتمادها لإعلان الحرب على خصوم التنظيم من إدارات المنطقة العربية، وقبولِه أي تصنيف أو توصيف دعائي مضاد يُطلِقه عليه خصومه، وإعلانه التراجع إلى الخلف خطوات على مستوى الحضور السياسي، ولا مانع على الإطلاق من الجلوس على طاولة أي من الخصوم اعترافاً بشرعية الإدارة واستغفاراً على خطايا المعارضة، ونيلاً لمساحاتٍ قاعدية من الحركة لا تنشد حكماً ولا تطمع في صدارة، وإنما قناعة بخدمة الدين والناس دونما انتظار لجزاء أو شكور، وإن سمح النظام – أي نظام - بأي مساحة لنشاط سيقبلها التنظيم ووجهه يقطر براءة ونقاء وألسنته تجأر بالهتاف الخالص (هي لله... هي لله... لا للمنصب ولا للجاه)...

نعم سيارة التنظيم ترجع للخلف...

ومعنى عودتها للخلف أن عجلاتها ستسير على عقول الأجيال الجديدة...

تسحق من جديدٍ كل بادرة وعي تنمو...

وتؤمم الطاقات المتطلعة لغد تصنعه الأحلام الفتية البريئة حولَ فلسطين التي سيحررونها وصلاح الدين الذي سيكونونه وأمجاد الإسلام التي ستعود على أياديهم إن هم أخلصوا لبيعتهم وتنظيمهم!

وتُصادر الأمنيات التي تُداعب خيال الصبايا الواعدات ليهمن تيهاً في مجد الإسلام الذي سيستعدنه وفي المُجاهد الفتاح الذي سيتزوجنه، وفي الخليفة الأممي الذي ستجنبه أرحامهن.

هذا ما حدث في السابق مرات ويحدث حالياً وسيحدث مستقبلاً... سيارة التنظيم تعود للخلف عبر وقودٍ تنظيمي قديم الخطوات متجدد الأدوات اسمه «الدعوة الفردية»، ومعناه «التجنيد السري المتدرج»... برامج متكاملة يخضع لها الشاب أو الفتاة...

وحين تنتهي برامج التنظيم من هدفها لا يعود (الابن/البنت) كما عرفه أبواه... حتى يستيقظ كل من في المنزل ذات ليل على طرقات رجال الشرطة العنيفة على بابهم، يهب الأب من فراشه فزعاً وهو يتمتم «خير اللهم اجعله خير»، وبينما تحمله خطواته المسرعة إلى باب الشقة، تحدثه نفسه عن الاحتمالات الواردة (هو خبر وفاة أمه المريضة أو قد يكون عارضاً صحياً تعرض له أحد الجيران، وربما حريق في إحدى الشقق المجاورة)... لكنه ما إن يفتح الباب، حتى يفاجأ برجال القوات الخاصة يقتحمون الشقة ومعهم ضباط الأمن الوطني بزيهم المدني، يسألون عن الابن (طالب الثانوي، أو الجامعة، وقد يكون حديث التخرج أو عاطلاً وربما يعمل عملاً مرموقاً)، ووسط ذهول الأب وبكاء الأم يتم اقتياد الابن، ليكتشف الأب أن ابنه الذي رباه عمراً عضو في تنظيم «الإخوان».

وقد تختلف تفاصيل المشهد نسبياً من حالة إلى أخرى...

فقد تكتشف الأسرة غياب ابنها – أو ابنتها - بعد موعد العودة من (العمل – المدرسة – فسحة – صلاة – تمرين... إلخ) وبعد البحث تكتشف الأسرة أن ابنها الغائب مقبوض عليه لانتمائه للإخوان.

وقد لا يعود الابن إلى المنزل، وتكتشف الأسرة وهي تتسلم جثمانه أنه لقى حتفه أثناء تبادل إطلاق النار مع قوات الجيش أو الشرطة في مهمه كلفه بها تنظيم الإخوان أو أحد التنظيمات التي نمت عنه.

وربما لا تتعرف الأسرة على جثة نجلها التي تتحول لأشلاء بعدما تنفجر فيه قنبلة كلفه تنظيم الإخوان بزرعها في أحد المواقع.

والسؤال الذي يطرح نفسه على هذا الواقع هو كيف تتحول حياة الابن – أو البنت – إلى سر دفين لا يكتشفه حتى أصحاب المعرفة الفطرية به (الأب والأم)؟

وهو السؤال الأهم والأخطر في معركة المصير الإنساني خلاصاً من أسر تنظيم الإخوان وما نما عنه للأوطان والأديان والإنسان...

وتفصيل الإجابة على هذا السؤال يكون في الحلقة القادمة إن شاء الله.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع