عبد الجليل الشرنوبي يكتب: معامل إنتاج جراثيم جائحة التطرف

عبد الجليل الشرنوبي

عبد الجليل الشرنوبي

دروب أيوب..

حينَ يرمي «أيوب المصري» بصره صوب إنسان زماننا، يكتشف أنَهُ انتفض بكل طاقاته ليواجه أول تهديد جميعي للمصير في الألفية الجديدة والذي تمثلَ في فيروس كورونا (كوفيد - 19)، إنها انتفاضة فطرية تحمل أسبابها الذاتية (فردية أو جماعية) للتشبث بالحياة...
فِطرَة الخالق في خَلْقِه حين يُهدد بقاء مخلوقاته وكلٌ منها وَهبَهُ الخالق من أسباب تفعيل هذه الفطرة ما يُناسبهُ ابتداءً من التقوقع والكمون ووصولاً في تطوره إلى تفعيل العقل الإنساني لتطوير أسلحة مواجهة التهديدات.
يتساءل «أيوب المصري»: كيفَ يُمكن أن تتعَطلَ هكذا فِطرَة؟!
إنَهُ السؤال الذي ترتج بصداه الآفاق على امتداد المعمورة حيث انتشرت جراثيمٌ راحت تُغير في طبيعة النفس البشرية مُحدِثة الآتي:
1- تستلب الإنسان وعيَه
2- تُعطِل كل أدوات ممانعة البشر الأسوياء للانقياد
3- تُحوَلِ الإيمان من طاقة للمحبة والإعمار إلى طاقات مُوجَهة للتصنيف والتفتيت
4- تقطع العلاقات الإنسانية الفطرية عن محيطها وتستبدلها بعلاقاتٍ لا تكون إنسانية إلا داخل عالمها التنظيمي.
5- تتجاوز بالولاءات كل حدود وتعبر بالانتماءات إلى وطن التنظيم.
6- تستَحِلُ أي مُقدسٍ وكلَ قيمة وتربطها بما يخدم أهداف الدعوة المختصرة في (بيعة لتنظيم).
7- تؤمم كل أوجُه النشاط الإنساني وتفاعلاته لصالح خطط التنظيم باعتبارها (جهاداً) متنوع الأشكال.

- عوارض واحدة
لم تعد الآثار الناجمة عن اختراق الجرثومة التنظيمية للوعي الإنساني مجرد ظواهر عرضية بعيدة عن أعين الرصد الطبيعي فضلاً عن المتخصص، وببساطة يُمكنك أن تدخل مسجداً أو مركزاً إسلامياً في إحدى حاضرات أوروبا أو أمريكا لتجد نفس الشخوص التي تتحرك بنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي أو في عموم المجتمعات المصرية والعربية والإسلامية، والحديث هنا ليس موجهاً نحو الخطاب ولغته وإنما يتجه مباشرة نحو الشكل الظاهري للشخصية المُحتَلة بجراثيم التنظيم العقلية، وأذكر في نهاية ثمانينات القرن الماضي، أن مُزارعاً في قريتنا (شرنوب – محافظة البحيرة) كان قد قرر اعتماد توصيف (عصابة الله يكرمك) على أعضاء تنظيم الإخوان وحين سألتُه مستهجناً عن ذلك كان ردُه (يا ابن شيخنا عليا اليمين ده لا دينا ولا إسلامناً، دي حاجة كدة ما تفهمش... لَطشَة أو نوشة بتصيب البني آدم يقوم يقلب في كل حاجة ويبقى ليه نفس المشية والهيئة والطلة وحتى الضحكة الباهتة لما يقابلك وكلهم بيبدأوا كلامهم بـيا أخي الله يكرمك...)... طبعاً حينها كُنتُ في بدايات علاقتي بالإخوان فما كان مني إلا أن مازحتُه ضاحكاً (يعني إنت زعلان من الله يكرمك... خلاص يا سيدي الله لا يكرمك) وضحكنا وانصرفنا ولكن كلمات الرجل الفطرية الوعي ظلت تتردد لسنوات حتى انجلت البصيرة... فوجدتها تعريفاً دقيقاً وعفوياً لأثر احتلال الجرثومة الإخوانية للعقل الإنساني.

- المعنيون بالمواجهة
إن الضمير المصري الذي يسكن كل أيوب يرصد بداية الجائحة التنظيمية التي أطلق حسن البنا (جرثومتها) الأولى عام 1928. ولكِنه يستصرخ كُلَ معني بالمصير ليكون تضافر مواجهة هذه الجائحة عاجلاً وسريعاً وموجهاً نحو الوعي –العقل - كونُه الهدَف ولأن تحصينه حالياً بات السبيل الوحيد لمواجهة تمدد حواضن الجراثيم عالمياً، وللأسف فإن فراغاً تتحرك فيه هذه (الجرثومة) منذ ظهورها (1928م) وحتى الآن، فيما جميع مكونات الدولة تتحرك ضدها بمنطق دفاعي، معتمدة في مواجهتها على مضادات حيوية أمنية دونما أي استراتيجية متكاملة لـتحصين (تطعيم) المجتمع ضدها. وهو ما يجعل هذه الجرثومة قادرة بحكم التطور على تحصين نفسها بتطوير مقاومتها لـلمضادات الأمنية أو الكمون والتقوقع حتى ينتهي مفعول هذه المضادات لتعاود الخروج من قوقعتها أكثر قوة وفعالية. ولهذا فإن هذه الأسطر والمقال السابق والتالي أضعها – بالدرجة الأولى - أمام القائمين على أمر الدولة في (الأزهر – التعليم – الشباب – الثقافة – الإعلام – الأجهزة الأمنية) أملاً في أن تكون «محفزة» للإنتاج (مشروع وطني متكامل لمواجهة جذرية لجرثومة التنظيم الإخواني).
مع خلو الساحة من أي استراتيجيات لاستثمار طاقة الشباب الإيمانية والسياسية والثقافية والرياضية والعلمية، تتحرك «الجرثومة الإخوانية» نحو الهدف (شاباً أو فتاة)، - أياً ما كانت ظروفه الاجتماعية والعلمية والمادية -، لتسيره فوق سُحب من عظيم الأماني، ويحيا حلم كونه قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح «أخ» يسير على خطو الفاتحين العظام، مقتدياً بالرسول محمد عليه السلام، ومهتدياً بـ«الإمام الشهيد حسن البنا» الذي يعرفونه له باعتباره «مجدد الإسلام في القرن العشرين»، وتدور بخلده كل أساطير البطولة والصمود متجسدة في سير «إخوة» له رواد، كانوا إلى جوار «البنا» يبنون دعوتهم في محيط من التربص بالإسلام، والتنكر لآدابه، والاستهزاء بقيمه وثوابته، فجاهدوا الإنجليز، وحاربوا الماركسية والشيوعية الإلحادية، وناهضوا الليبرالية الوفدية والعلمانية السعدية، وناوروا المؤامرة الناصرية، ولم تلن لهم في سجونها قناة أو تخضع لهم عزائم. ولا يسعون لمنصب أو سلطان وإنما يرفعون شعاراً واحداً «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله».
في هذا المناخ تتكون النفسية «التنظيمية»، ولكل «عقل» لدى التنظيم مفتاحه، والبحث عن هذا المفتاح هي مهمة «الأخ» حامل الجرثومة، الذي يقوم بعملية «نقل العدوى»، أو التجنيد عبر ما يعرفه التنظيم بـ«الدعوة الفردية».

- الدعوة الفردية!
بإطلالة على مراحل هذه العملية الفريدة في التجنيد، يمكن فهم كيف يستطيع التنظيم أن يملك مفتاح عقل لمدعو الجديد، ثم يبدأ في صياغة شخصية تنظيمية ذات سمات واحدة، لا يمكن أن تفرق فيها بين «الأخ» الذي يصبح رئيساً للجمهورية «مرسي مثلاً» وبين الأخ الذي يحمل السلاح ليعتدي على ضابط في كمين «عبد الله نادر المتهم في قضية كتائب حلوان مثلاً». فجميعهم تمكنت «جرثومة التنظيم» منهم وصارت أفعالهم مجرد انعكاس لرغبات التنظيم الأم «الجرثومة».
وتحفل «مكتبة الدعوة» التابعة للتنظيم، بعشرات الكتب والأبحاث والعروض التفصيلية لعملية التجنيد «الدعوة الفردية» وجميعها تشرح في خطوات سبع وضعها التنظيم منذ «حسن البنا» لنشر عدواه في المجتمع، غير إن تنظيم «البنا» لا يشرح عملية تجنيد أعضاء جدد باعتبارها «دعوة إلى التنظيم» ولكنه يراها «دعوة إلى الله». ولا تبدأ إطلاقاً بعرض الفكرة على العقل بل تستهدف «القلب»؟

- الخلط بين «الله» و«التنظيم»
«الأسرة» الإخوانية هي أصغر وحدة تنظيمية، وتلتقي أسبوعياً في اجتماع دوري، قد يكون في منزل أو ناد أو على مقهى وإن اقتضت الظروف الأمنية فقد يكون على الإنترنت أو في أي مكان لا يلفت الأنظار. حيث يجلس الأخ المسؤول أمام أعضاء أسرته، يتابع التكليفات ويلقن التعاليم ويتفقد كافة تفاصيل حياة أعضاء الأسرة، الذين يجلسون بين يديه ملتزمين مقولة إمامهم المؤسس حسن البنا (و أعني بالسمع والطاعة أن يكون الأخ بين يدي مسؤوله كالميت بين يدي مغسله يقلبه كيف يشاء).!
جميع أعضاء «الأسرة» الإخوانية لم يصلوا إلى هذا الاستسلام التام فجأة، بل تعرضوا لمراحل سبع خلالها تتمكن «جرثومة» التنظيم من معظم خلايا «المخ»، ومثلهم تماماً المسؤول وإن كان يعلوهم في الدرجة والمهام التنظيمية، وتأتي متابعة انتشار «الجرثومة التنظيمية» والتي يسميها التنظيم «الدعوة الفردية» في فقرة ثابتة داخل «الأسرة» حيث يكون أمام كل عضو جدول متابعة خاص بأسماء من يدعوهم ودرجة التقدم التي يحققها مع كل منهم واحتياجاته اللازمة لاختراق عقل «الضحية».

- التجنيد واجب شرعي
لأن التنظيم يصطاد ضحاياه بالدين، فهو يستبدل «التجنيد» بـ«الدعوة إلى الله» وفي مكتبة التنظيم منذ نشأتها كتاب رسمي - مجهول المؤلف - اسمه «الدعوة الفردية»، فتوى صريحة لكل الأعضاء على مر العقود، بأن «التجنيد» الذي يسميه «الدعوة إلى الله» أمر (واجب كل مسلم ومسلمة في كل زمان، وفي زماننا هذا أوجب - شرف عظيم لصاحبها - ثوابها كبير وعظيم - من ألزم الأمور وسط هذا الخليط من الرايات والتيارات والتجهيل والتشكيك والتغريب والانحراف).
ورغم كونها (دعوة إلى الله) إلا أن التنظيم الذي يستهدف بها (زيادة عدد المنتمين إليه) ويُعلن أن الهدف منها ليس نشر الإسلام بل (دعوة المسلمين إلى الله وليس غير المسلمين) ويعلل ذلك بأن المطلوب هو (أن ننتقل بهم من الواقع الذي يعيشونه وما فيه إلى معرفة متطلبات هذا الإسلام كاملة ثم كيفية تحقيق هذه المتطلبات على الوجه الأكمل الصحيح).

- أنواع الضحايا
يقسم «التنظيم» من يستهدفهم بـجرثومته، إلى ثلاثة أصناف.
 أولهم: «صاحب الأخلاق الإسلامية» وهو المسلم المتدين الذي يحافظ على أداء عباداته
 ثانيهم «صاحب الأخلاق الأساسية» وهو المسلم الملتزم بقيم الإنسانية العامة ولكنه لا يحافظ على عباداته.
 أخيراً «صاحب الأخلاق الجاهلية» وهو المنحرف دينياً وأخلاقياً.
وبهذا التدرج يمكن القول إن «التنظيم» في سبيل توسيع قاعدته البشرية، يعتبر أنه بديلاً لـ«الله» في عبارة «الدعوة إلى الله» التي يُعرف بها آليات تجنيد أعضاء جدده. ولأن هدفه المعلن غير المبطن، فإنه يستطيع إقناع قواعده بأن دعواتهم الترويجية له في المجتمع المسلم هي إعادة بعث للإسلام في القرن الحادي والعشرين، وهذا البعث الجديد يلزمه قوة عددية تتشكل من المسلمين الملتزمين بالدرجة الأولى لأنهم ببساطة يفتقرون لما يعرفه التنظيم عن «الله»!.
ولهذا تُؤمن قواعد «الإخوان» أنهم القلوب اليقظة في المجتمع الإسلامي كله وكل أفعال التجنيد التي يقومون بها ما هي واجب إيقاظ عموم المسلمين الذين (شغلتهم الدنيا وألهتهم عن عبادة الله وطاعته فصاروا أشبه ما يكونون بقوم نائمين مستغرقين في النوم، وهناك نار تقترب منهم وستلتهمهم إذا بقوا على حالهم)
هكذا يقول المربي الإخواني للقطيع أثناء تلقينه أصول (الدعوة الفردية) أو التجنيد وبهذا يكون قد تأهل حامل الجرثومة للانطلاق من معامل صناعتها صوب الانتشار حيث مراحل الإصابة المتدرجة والتي تؤدي جميعها إلى إنسانٍ مختلف...
إنسانٌ يستحق أن ننتفض لإنقاذه من جائحة لم تواجَه فعلياً منذ بدأت للآن، أمَا مراحل الانتشار فبيانها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع