عبد الجليل الشرنوبي يكتب: مراحل إصابة جرثومة التطرف للإنسان

عبد الجليل الشرنوبي

عبد الجليل الشرنوبي

دروب أيوب

«أيوب المصري» ذلك الضمير المستتر في عمق هذا الوطن...

  • أكمْ من صباحات استيقظ فيها على دموعٍ أمهاتٍ ثكلى بفعل أنباء «مصرع» فلذات أكبداهم؟
  • وأكم من ظلمات ليل فزِعَ معها الآباء فيما تجتاح قوات الأمن بيوتهم بحثاً عن ابن تورَط في أنشطة إرهابية، يقوم الأب فزِعاً على وقع أقدام رجال مكافحة الإرهاب وعلى تخبط خطوات ابنه وهو يُحاول التخلص من أوراقٍ أو مبالغ مالية أو جهاز تليفون صغير كان يحملهم سراً؟
  • وأكمْ من نهاراتٍ شديدة البرودة أو قاسية الحرارة وقفَ فيها الآباء على أبواب النيابات أو الأقسام أو السجون مُحاولين أن يداووا أوجاع قلوبهم على أبنائهم بنظرة أو لقاء أو زيارة تمكنهم من أن يلتقوا بأبنائهم ليسألوهم بكل علامات الاستفهام من عينة:

        متى أصبحتَ إخوانياً؟

        كيف انضممتَ لجماعة دونَ أن أعرف وأنا أبوك؟

        مَنْ الذي أوصلك إلى هذه المصيبة؟

        أليس أبوك مسلماً وكذا أمك... فأي إسلام ذلك الذي إليه تدعو؟

  • وأكمْ من أبناء وبنات يجيبون على كل أسئلة أبويهم الحائرة بغير اكتراث (ربنا يهديكم).

إن ما لا يدركه الآباء في هذه الحالات هو أنهم لا يواجهون وعي أبنائهم الذين من أصلابهم، ولا يُخاطبهم لسان هؤلاء الأبناء، ولا يُعاملهم وجدان فلذات أكباد في مواجهة أصلها، وإنما يكون كل أولياء الأمور في مواجهة التنظيم (الجماعة) مرتدياً قلب وعقل ووجدان الأبناء، وبالتالي فعادة ما تكون الإجابات التي يتحصل عليها الآباء باعثها ما أعد التنظيم من إجاباتٍ جاهزة لمثل هذه المواقف وتدرب عليها الأبناء مرات ومرات، لتكون في النهاية إجابات تختلط فيها ظاهرياً أساليب الاسترضاء والاعتراف والإنكار والكذب، وجميعها إجابات هدفها الواحد والوحيد هو (التقية) للحفاظ على (أسرار الدعوة) من عيون المتربصين والمترصدين حتى وإن كانوا في عالمنا الواقعي اسمهم أب وأم أو جد وجدة.

إنها تعاليم التنظيم الذي يستلب الإنسان تحت ذريعة أن (الإخوان هم القلوب اليقظة في المجتمع الإسلامي كله) في مواجهة عموم المسلمين الذين (شغلتهم الدنيا وألهتهم عن عبادة الله وطاعته فصاروا أشبه ما يكونون بقوم نائمين مستغرقين في النوم، وهناك نار تقترب منهم وستلتهمهم إذا بقوا على حالهم)، هكذا لقنهم مربي الإخواني وهو يُحركهم في المجتمع لنشر جراثيمهم تحت شعار (الدعوة الفردية /التجنيد) ليتأهل حامل الجرثومة للانطلاق من معامل صناعتها صوب الانتشار حيث مراحل الإصابة المتدرجة والتي تؤدي جميعها إلى إنسانٍ مختلف... وصفناه في المقال السابق بأنه إنسانٌ يستحق أن ننتفض لإنقاذه من جائحة لم تواجَه فعلياً منذ بدأت للآن.

وحتى يمكن أن نستوعب مراحل نقل هذه الجرثومة من حاملها إلى الإنسان – الهدف - ينبغي التوقف بدقة مع السطور القادمة.

  • استهداف القلب

ما أن يحدد التنظيم ضحيته المستهدفة حتى تبدأ مراحل نقل «الجرثومة» الإخوانية إلى وعيه، مستهدفاً قلبه لا عقله فيما يعرف بـ«مرحلة تقريب القلوب»، لأنه ببساطة يسعى للاستحواذ على الشخصية وليس مصاحبتها، ولذا يبحث «حامل الجرثومة» عن مدخل لـ«إيجاد صلة وتعارف بمن يريد دعوته» ويوصيه مسؤوله نصاً بـ«إشعاره عمليًا باهتمامك به والسؤال عنه إذا غاب، وغير ذلك دون الحديث في أي أمر من أمور الدعوة». وخلال هذه المرحلة يتعامل التنظيم مع ضحاياه حسب رغباتهم وأهوائهم يُفتش لكل منهم عن مدخل (هدية حسب الهواية – مصلحة ملحة – مداعبة رغباته المشروعة مثل حب الظهور أو تقديم مواهبه... إلخ).

ويؤكد التنظيم على حاملي جرثومته عدم فتح أي حوار مع الضحية فيما يتعلق بشأن الجماعة أو حتى قضايا الإسلام والسبب (أي حديث معه قبل ذلك ربما يكون سبباً في نفوره وصدوده).

  • الإخضاع الروحي

خلال فترة من (3: 9 أسابيع) يرتبط «حامل الجرثومة» بـ«الضحية» عاطفياً وإنسانياً لـتبدأ بعدها المرحلة الثانية والتي يطلق عليها التنظيم (إيقاظ الإيمان المخدر)، وخلالها يبدأ التنظيم في استغلال العاطفة الإيمانية الفطرية لدى الضحية لإخضاعه روحياً بعدما قام بإخضاعه عاطفياً، حيث يبدأ الحوار التطويف بـ«الضحية» في عالم الروحانيات وقضايا (قدرة الله وإبداعه في خلقه وعجز العلم مهما تطور عن مجاراته)، والمهم هو أن تبدأ «الضحية» في التفكير، ولكن بعيداً عن الواقع ولهذا يحلق به حامل الجرثومة في أجواء (الجنة والنار والحساب) بهدف تهيئة الضحية لما يسميه التنظيم (التهيؤ لاستكمال قضية الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب جزاء وكذا التعرف على المهمة التي خلقنا الله من أجلها في هذه الحياة الدنيا، وهي عبادة الله ولا يتصور لهذا الخالق العظيم أن يخلقنا عبثًا) وباستمرار الطرق على هذا الباب الروحاني يتولد لدى الضحية إحساس بـ(الإهمال والتقصير والغفلة وإقباله على معصية الله وعدم طاعته وحال استمرار حاله هكذا فإنه سيتعرض إلى عذاب الله يوم القيامة ولا مفر ولا منقذ له). وحينئذ يُعلن التنظيم انتهاء المرحلة الثانية من مراحل نقل جرثومته لضحيته مؤكداً (حينئذ يسلس قياده ويسهل توجيهه إلى ما يُدعى إليه من التزام تعاليم الإسلام) و«الإسلام» هنا و«الله» في الدعوة إليه كلاهما يعني «التنظيم» لأنه هو الذي سيحدد في مراحل لاحقة ماذا تعني تعاليم الإسلام وما هي الترجمة التنظيمية لـرضا «الله».

  • محب لا يعرف محبوبه

تتسلل الجرثومة الإخوانية إلى وعي ضحيتها لتبدأ ماكينة التنظيم في وضعها داخل إطار يسمونه «المحب» ورغم كونه – حامل الجرثومة - وفق الدرجات التنظيمية «محباً»، إلا أنه لا يعلم ما الذي يحب سوى «الأخ» ناقل الجرثومة الذي يتفانى في تنفيذ أماني وأحلام «الضحية» ويؤكد له أنه يحبه لله وفي الله ولا يريد منه جزاء ولا شكوراً!

ويحل الإسلام محل التنظيم في الأربع مراحل التالية، بداية بـ«تلقين الضحية معنى شمولية الإسلام» والهدف الظاهري حسب أدبيات التنظيم هو أن (ينضبط الفرد المسلم في حياته وحركاته وسكناته مع شرع الله والتعبد إلى الله بكل هذه الأعمال بدلاً من قصر مفهوم العبادة على الفرائض الأربعة المعروفة). والتنظيم بذلك يزرع في وعي ضحيته أن «حياته كلها عبادة» طالما عقد نية لأي عمل وبالتالي تصبح «الصلاة» في عرف التنظيم مثل «الطعام والشراب» و«طلب العلم» وحتى «التريض والتنزه»، وجميعها يؤجر عليها المسلم لأن كل عمل (في أي تخصص لنفيد المسلمين ودولة الإسلام ولنكسب المال الحلال الذي نقيم به حياتنا وضروراتنا فيتحول العمل إلى عبادة). وهذه المرحلة تمثل القاعدة التي ينطلق منها فيما بعد ضحايا التنظيم منفذين كل تكليف يصدر إليهم من القيادة باعتباره عبادة صرفة ليستوي في ذلك أن يكلفهم التنظيم بـ«قيام الليل» مع رفع لافتة انتخابية أو صناعة قنبلة.

  • في صحبة المجاهدين

تبدأ المرحلة الخامسة بعدما يطمئن التنظيم لـوصول جرثومته إلى وعي ضحيتها، يبدأ في تمكينها منه مستغلاً الحالة الإيمانية الرائقة التي تحياها الضحية، وذلك من خلال استثمار أزمات العالم الإسلامي عبر ما يسميه «إدراك حجم المؤامرة على الإسلام» ومن أشهر الهدايا التي تُمنح للضحية، كتاب «قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله». فتنمية الحس الإيماني ليس هو هدف «التنظيم» بل الهدف نصاً.

(توضيح أن مسؤولية إقامة الدولة الإسلامية ليست قاصرة على الحكام أو العلماء ولكنها مسؤولية كل مسلم ومسلمة موجودين في هذه الفترة من عمر الدعوة الإسلامية وأن المسلمين جميعًا آثمون إن لم يعملوا على إقامة الدولة الإسلامية).

ويظل التنظيم يطرق على هذا الباب عبر:

-        كتب

-        محاضرات مسجلة

-        أفلام عن مآسي فلسطين وكشمير والشيشان وأفغانستان

-        روابط إلكترونية متعددة الوسائط.

وبالتدريج يُعايش الضحية واقعاً مأساوياً دموياً وجهادياً، ويرى نفسه في صحبة قادة المجاهدين (عبد الله عزام – عبد رب الرسول سياف – أحمد ياسين – عبد العزيز الرنتيسي) وغيرهم من قيادات إخوانية دولية يقدمهم التنظيم باعتبارهم «مجاهدين» لا «إخوان».

  • الجماعة الواجبة

إذن تأججت مشاعر الضحية الإيمانية، والتهبت أحاسيسها الإسلامية، وجاشت عواطفه الإنسانية تعاطفاً مع مآسي المسلمين في العالم، وكلها دلائل على أن الضحية قاب قوسين أو أدنى من أن يسلم للتنظيم قياده تماماً.

وعندها تبدأ المرحلة السادسة من استيلاء «الجرثومة التنظيمية» على ضحيتها وهي «وجوب العمل في جماعة» وخلالها يزرع «حامل الجرثومة» في وعي ضحيته يقيناً بأن (كل فرد وحده لا يستطيع أن يقيم دولة الإسلام ويعيد الخلافة ولكن لا بد من الجماعة التي تجمع هذه الجهود الفردية لتستعين بها على تحقيق هذا الواجب الضخم).

بل ويتحول الانضمام إلى «جماعة» واجب استناداً - حسب زعم التنظيم - إلى (القاعدة الشرعية المعروفة أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وما دام واجب إقامة الدولة الإسلامية لا يتم إلا بالجماعة فقيام الجماعة واجب). ويدفع حامل الجرثومة ضحيته نحو مصيدة الجماعة – التنظيم - مؤكداً أن (كثير من المسلمين لا يرون ضرورة قيام الجماعة خشية الالتزام بتكاليف، أو إيثاراً للعافية ودفعاً للأذى الذي يمكن أن يتعرض له بسبب ارتباطه بجماعة).

وهكذا تتحول الضحية إلى عجينة في يد التنظيم، وجدير بالذكر أنه خلال المراحل الست السابقة لا يتم ذكر «الإخوان» من قريب أو بعيد حتى يتأكد لـ«حامل الجرثومة» ولمن يقوده أن «الضحية» سلمت تماماً.

  • تمَكُنْ الجرثومة

تبدأ آخر المراحل وعادة ما تكون بإشراف مباشر من قيادات التنظيم حيث يتم إعداد محاضرة بعنوان (مع أي جماعة نعمل؟)

إذ يتم ذلك بعدما تحولت ملامح حياة الضحية على كافة المستويات وصار التنظيم جزءاً لا ينفك عنها، فالضحية أصبح يسير في فلك الإخوان في:

        الحي

        الدراسة

        العمل

        الشراكة

        العلاقات الاجتماعية

        الهوايات

باختصار يصبح التنظيم جزء من حياة الضحية. وساعتها يقدم له الأخ المسؤول مواصفات الجماعة التي يجب أن ينتسب إليها –لاحظ أن الضحية أصبح منتسباً إليها فعلاً – حيث يجب أن تمتاز بـ:

1-       السير على طريق الدعوة الأصيل الشامل

2-       الاهتمام بتربية أفرادها وإعدادهم وترابطهم

3-       التنظيم الدقيق وفق خطة

4-       صاحبة تجربة وخبرة

5-       جماعة عالمية

ومع كل صفة يتم ذكر أسماء جماعات مختلفة وأحزاب عدة باعتبارها صاحبة تجارب فاشلة باستثناء «الإخوان».

وساعتها يتم منح «الضحية» هدية لها علاقة مباشرة بالإخوان (كتاب الرسائل لحسن البنا – ميدالية الإخوان...إلخ) بينما يؤكد كبير «الإخوة» أنه يظهر (لكل صادق مخلص أن الصفات اللازمة في الجماعة التي يختارها متوفرة في جماعة الإخوان المسلمين بفضل الله تعالى وتوفيقه).

وعند هذا الحد تكون الجرثومة الإخوانية قد تمكنت من شخصية ضحيتها وساعتها لا يجب على الدولة ولا أولياء الأمور أن يندهشوا عندما يكتشفوا أن حامل هذه الجرثومة قد فجر نفسه أو انفجرت فيه قنبلة بينما ينعيه باقي الضحايا لأنه لاقى ربه شهيداً على طريق الدعوة. وهنا يجدر بالمجتمع كله أن يتساءل:

(هل مات ضحية للجرثومة الإخوانية وحدها أم أن أنه راح ضحية تخاذل وتقصير جمعي عن الرعاية والتحصين؟).

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع