كازاخستان.. ثورة وقود أم حرب عالمية ثالثة؟

احتجاجات كازاخستان

احتجاجات كازاخستان

ألقت الاحتجاجات المتفاقمة في كازاخستان بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، بظلالها على تضارب مصالح الدول الكبرى في البلاد، ومدى ارتباطها بالأحداث الدموية التي تشهدها أكبر دولة غير ساحلية في العالم، وتاسع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة.

 

احتجاجات الوقود

خرج آلاف المحتجين الغاضبين إلى شوارع كازاخستان، في الأيام الأخيرة، في أكبر أزمة تهز الدولة منذ عقود، بسبب زيادة أسعار الوقود، وسط مؤشرات على تصاعد المطالب لتشمل جوانب سياسية في بلد لم يتخلص بعد من إرث حكم الفرد الذي هيمن عليها لثلاثة عقود.

واقتحم مواطنون المبنى الحكومي الرئيسي في ألماتي، أكبر مدينة في البلاد، بينما أشعل المتظاهرون النار في سيارات الشرطة، وكذلك في الفرع الإقليمي لحزب نور أوتان الحاكم.

وأعلنت وزارة الصحة الكازاخستانية، الخميس، إصابة أكثر من ألف شخص في الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تهز البلاد منذ أيام، ومحاولات المحتجين للسيطرة على المؤسسات والبنية التحتية.

 

كازاخستان

 

تهديد لأكبر دول العالم

تعد كازاخستان أكبر من أوروبا الغربية بأكملها، وتقع بين روسيا والصين، وكانت تعتبر ركيزة الاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقة غير مستقرة، ما يعني أن أي اضطراب داخلي يؤثر على مصالح أكبر دول العالم.

حتى أنها مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بالتحديد للطاقة الأميركية، إذ استثمرت شركتا إكسون موبيل وشيفرون عشرات المليارات من الدولارات في غرب كازاخستان، المنطقة التي بدأت فيها الاضطرابات هذا الشهر.

ورغم العلاقات الوثيقة مع موسكو، إلا أن الحكومات الكازاخستانية المتتالية حافظت كذلك على روابط وثيقة مع الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى الاستثمار النفطي الأميركي على أنه ثقل موازن للنفوذ الروسي.

هكذا، أصبحت كازاخستان عالقة بين روسيا والصين، أكبر قوتَين في أوراسيا، وهي تُعتبر أيضاً أكبر شريكة للولايات المتحدة في آسيا الوسطى، فمن خلال الحفاظ على علاقات حسنة مع روسيا والصين والولايات المتحدة في الوقت نفسه، تقيم كازاخستان توازنًا دبلوماسيًا، لكن المواجهة بدأت تحتدم بين القوى العالمية، وأصبح من الصعب على كازاخستان اليوم أن تحافظ على هذا التوزان الجيوسياسي من دون الانجرار إلى الصراع.

كازاخستان

 

أمريكا والصين

أعلنت الصين موقفها من احتجاجات الوقود، وشدد المتحدث باسم الخارجية الصينية، وانغ وينبين، اليوم الخميس، على أن «بلاده تعتبر ما يحدث في كازاخستان شأنًا داخليًا»، معربة عن ثقتها بأن السلطات ستتمكن من تسوية الوضع بطريقة صحيحة. وعبّر عن أمل بكين بأن يستقر الوضع سريعًا من أجل استعادة النظام الاجتماعي، وأشار إلى أن الصين وكازاخستان تعدان جارتين صديقتين وشريكين استراتيجيين.

ويستمر التعاون بين الصين وكازاخستان، في إطار مبادرة الحزام والطريق، ويعد التعاون في مجال الطاقة أحد المجالات الرئيسية للتعاون بين الصين وكازاخستان، وفي السنوات الأخيرة، شهد التعاون في مجال القدرة بين الصين وكازاخستان تقدمًا سريعًا وحقق نتائج مثمرة، على الرغم من الاختلافات السياسية بين البلدين.

وتعتبر كازاخستان العلاقات الودية مع الولايات المتحدة جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها للتصدي للنفوذ الروسي والصيني، لأن هذين البلدين المجاورَين يقلقان قادة البلد من وقتٍ لآخر، وقد انتقدت موسكو مثلًا السلطات في كازاخستان لأنها سمحت بعبور السلع الأميركية إلى أفغانستان عبر موانئها ووافقت على تمويل البنتاجون لإعادة بناء مختبرَين بيولوجيَين في كازاخستان وقدّمت لها خدمات أخرى.

وفي ظل احتدام المواجهة بين الصين والولايات المتحدة، تجد كازاخستان صعوبة متزايدة في الحفاظ على توازنها، لكنها مضطرة للتمسك بعلاقات حسنة مع مختلف الأطراف، تزامنًا مع البقاء على مسافة من الجميع، ولا تستطيع القوى العظمى أن تجبر كازاخستان على إثبات وفائها المطلق لأي طرف منها.

برأي بكين، يجب أن تبقى هذه الدولة المجاورة لإقليم شينجيانج الإيجوري المستقل معقلًا للاستقرار في المنطقة، فتسمح بدخول المستثمرين الصينيين وتشكّل نقطة عبور أساسية بين الصين والمساحات السوفياتية السابقة وأوروبا، كذلك، تؤدي كازاخستان دورًا محوريًا في «حزام طريق الحرير الاقتصادي»، أهم مشروع بنى تحتية أطلقه شي جين بينغ.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، تُعتبر كازاخستان شريكتها الوحيدة في آسيا الوسطى، وهي تستفيد من الوجود الأميركي ولا تغيّر قراراتها باستمرار سعيًا لتحقيق منافع قصيرة الأمد، كما فعلت قيرغيزستان أو أوزبكستان في عهد رئيسها السابق إسلام كريموف.

 

كازاخستان

 

روسيا وتركيا

اعتبرت روسيا الأحداث في كازاخستان محاولة مستوحاة من الخارج من أجل زعزعة استقرار وأمن البلاد بالقوة، وقالت خارجيتها إن «روسيا تؤكد تمسكها بالتزامات الحلفاء في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ويؤيد اعتماد تدابير عاجلة فيما يتعلق بالتدهور السريع للوضع السياسي الداخلي وتصاعد العنف في كازاخستان.. سنواصل مشاوراتنا الوثيقة مع كازاخستان وحلفائنا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بشأن اتخاذ خطوات إضافية لدعم مكافحة الإرهاب»، بعدما أرسلت قواتها للتدخل والسيطرة على الاحتجاجات الشعبية الحالية.

أما تركيا فتعالت الأصوات الحكومية المطالبة بتحقيق السلام والاستقرار في كازاخستان، وأكدت وزارة الخارجية التركية في بيان لها، أنها تتابع عن كثب، تطورات الاحتجاجات. وقالت منظمة الدول التركية، في بيان لها، «في ضوء الأحداث الأخيرة في كازاخستان، بصفتنا الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية، نؤكد على الأهمية التي نوليها للسلام والاستقرار، ونعرب عن تضامننا القوي مع بلدنا العضو كازاخستان».

كذلك أكد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، رئيس وزراء تركيا السابق، بن علي يلدريم، استعداد بلاده للتدخل عسكريًا لضمان استقرار الأوضاع، وقال «بصفتنا منظمة الدول التركية، نود أن نعرب عن تضامننا القوي مع الشقيقة كازاخستان. نعلن استعدادنا للمساهمة في عودة الحياة في البلاد إلى طبيعتها، ونتمنى رحمة الله بإخواننا الذين فقدوا أرواحهم في الأحداث، والشفاء العاجل للمصابين».

دعا قائد القوات التركية الخاصة السابق، الفريق المتقاعد، إنجين آلان، إلى ضرورة تدخل تركيا، للسيطرة على الأوضاع في كازاخستان. وقال «سيكون نهجًا خاطئًا أن يقتصر ما حدث في كازاخستان على هذا البلد. ستتغير كل التوازنات في العالم إذا ظهرت منظمة الدول التركية على أرض الواقع مع جميع المؤسسات والمنظمات وجميع عناصر القوة الوطنية في هذه البلدان. لن يقبل هذا لا الغرب ولا الشرق».

وربطت صحيفة «لوموند» الفرنسية، بين احتجاجات الوقود في كازاخستان، والتقارب الاستراتيجي المتزايد مع تركيا. وفي التحليل الذي أجراه الكاتب إيمانويل غرينزبان، بعنوان «كازاخستان وعملية التقارب الاستراتيجي مع تركيا»، أكد الموافقة على اتفاقية موقعة مع موسكو في 22 ديسمبر 2021، في مجالات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني، من قبل البرلمان الكازاخستاني. وجاء في الاتفاقية أن موسكو فرضت عددًا من المطالب، مثل عدم وجود قاعدة عسكرية أمريكية في كازاخستان، وعدم التعاون مع حلف الناتو.

وقال التحليل الذي أشار إلى استلام كازاخستان طائرات من دون طيار ومركبات ومعدات مسلحة أخرى من تركيا في عام 2021، إن «الاتفاق مع روسيا لم يمنع كازاخستان من البحث عن شراكات أخرى، وفي 7 ديسمبر، جددت وزارة الدفاع الكازاخستانية الاتفاقية العسكرية لمدة 5 سنوات مع الولايات المتحدة، فضلًا عن الانضمام إلى منظمة الدول التركية، التي جمعت بين الدول الخمسة السابقة التابعة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في آسيا الوسطى والقوقاز، هذه الدول لديها تقارب لغوي وثقافي كبير مع تركيا، ومعظم سكانها يعتنقون الدين الإسلامي».

كذلك أشار التحليل إلى تصريحات رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، في القمة السابقة التي عقدت في مارس 2021، التي قال فيها «هدفنا جعل العالم التركي من أهم المناطق الاقتصادية والثقافية والإنسانية في القرن الحادي والعشرين».

وقال عالم السياسة الكازاخستاني، دوسايم ستابيف، «أظهرت تركيا أنها لاعب رئيسي في حرب إقليم كاراباخ في عام 2020. الآن كل شيء يدور حول شقين (الاقتصاد والأمن). يخطط تحالف الدول التركية بالفعل لإنشاء هيكل من شأنه أن يتفاعل بسرعة مع الأحداث ويتصرف بالوسائل العسكرية».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع