جهاد يايجي يكتب لـ«تركيا الآن»: مصر وتركيا.. قلب الشرق الأوسط

جهاد يايجي

جهاد يايجي

كتب: الأميرال جهاد يايجي- رئيس أركان القوات البحرية التركية السابق

ترجمة: أسماء ربيع

الشعبان المصري والتركي أكثر من مجرد أصدقاء، فهما أقارب، بل إنهما أشقاء، وللشرق الأوسط عاصمتان ثقافيتان، هما القاهرة وإسطنبول.

تقاطعت أقدار هاتين المدينتين من وقت لآخر، وانفصلت في أوقات أخرى، وتبقى القاهرة قلب المنطقة العربية، وإسطنبول قلب العالم التركي.

إذا تركنا الحروب والصراعات السياسية جانبًا، فإن تركيا ومصر تكمل كل منهما الأخرى على مدار التاريخ، وتستوحي الدولتان من بعضهما البعض الفن والأدب، سار كل منهما نحو تيار الحداثة، وكانا رواد المنطقة، حيث حافظا على المعرفة الأصيلة للمسار العلمي المعاصر الذي تم الاعتراف به على أنه طريق الحضارة الجديدة. عاشت الدولتان معًا في الإمبراطورية العثمانية، وأصبحتا عضوتين في نفس الدولة، وهناك معلومات تفيد بأن الأتراك استقروا في مصر قبل وقت طويل من الأناضول. لذلك فهناك صلة قرابة بين الشعبين التركي والمصري.

اليوم، الشرق الأوسط يهتز مثل حلقة النار، الربيع العربي والعمليات التي تلته أحدثت تغيرات في مركز ثقل المنطقة. وبينما تعيش الدول في المنطقة أوضاعًا مضطربة داخليًا أو خارجيًا ما يمنع استقرار المنطقة، أصبحت التراكمات الثقافية القديمة للمجتمعات خطتهم البديلة.

الزيادة السريعة في أعداد الشباب في البلدين، تعتبر نقطة أخرى مشتركة بين مصر وتركيا، ويحوي عدد السكان المرتفع والمتزايد بسرعة على مخاطر وفرص في نفس الوقت. إذا كان عدد السكان الكبير لا يتناسب بشكل مباشر مع العمالة في البلاد، فسوف يتسبب ذلك في حدوث بطالة ومشاكل في الرفاهية على نطاق واسع بين الناس، ويمكن أن تتسبب الأزمات الاقتصادية في حدوث تصدعات عميقة في البلاد حيث سيتضاعف الفقر. ومع ذلك، فإن ارتفاع عدد السكان هو أيضًا احتمال يمكن تحويله إلى فائض في رأس المال إذا تم استثماره بالشكل الجيد. الموارد البشرية هي مورد مهم لا ينبغي الاستهانة به. لذلك ما يجب القيام به هو أن نستثمر في مواردنا البشرية، تمامًا كما تستثمر بلادنا الوقت والميزانية في الموارد الأخرى، وتجعل هذه الموارد قابلة للاستخدام. وبذلك ينقذ الشباب الرياديون ذوو التفكير الحر المستقبل.

يجب أن يتعاون البلدان اللذان يمتلكان شبابًا من رواد الأعمال وذوي التفكير الحر، في مجال الصناعة والتجارة، بمشاريع من شأنها تطوير الحوار بين الشعوب. يمكن لغرف الصناعة والتجارة تطوير مشاريع تجارية واستثمارية مشتركة وتشجيع التجار والمستثمرين في البلدين على إعادة التقارب التاريخي من خلال الاقتصاد.

إن تحقيق التعاون بين الجامعات سيكون مهمًا من حيث التأثير على الشباب بشكل أسرع، ومن حيث خلق نهج مشترك، لأن طلاب الجامعات اليوم هم تجار وسياسيو وفنانو الغد، ستضمن إضافة الفنون البصرية مثل الرسم والنحت وفنون الأداء إلى الأعمال المشتركة التعاون الجاد، ومد الجسور الثقافية بين البلدين، قلب العالمين التركي والعربي، يجب على البلدين أن يوفرا لشعبيهما الفرصة لتعلم اللغات مع بعضهما البعض.

مع ظهور جائحة كورونا، دخل العالم حقبة جديدة. نأمل أن تكون الجائحة مؤقتة، لكن علينا وضعها في الاعتبار أثناء وضع الخطط المستقبلية، بالإضافة إلى أزمة تغير المناخ، فهي عامل مهم آخر من شأنه أن يهز منطقتنا بعمق، وكذلك العالم بأسره.

من المرجح أن تتفاقم مشكلة المياه التي تعاني منها تركيا ومصر في المستقبل القريب. لم تعد أنهار النيل والفرات ودجلة فعالة كما كانت من قبل، وهناك خطر حدوث انخفاض في تدفق المياه في المستقبل القريب. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشكلة تقاسم المياه مع الدول المجاورة هي مشكلة مشتركة للبلدين. والعلماء أكدوا احتمال نشوب حروب مائية في المستقبل القريب، لذا فالحلول المشتركة للقضية تحت قيادة مصر وتركيا لن تمنع فقط المشاكل من النمو، بل ستوفر أيضًا بعض المزايا لدولنا مع فرصة لتصبح قوة رائدة. وتتوفر لتركيا ومصر، وكلاهما يعمل في صناعة الدفاع الوطني، إمكانية العمل معًا في قضايا مثل الحصول على مياه الشرب من الأمطار، وتقييم نفايات المياه الملوثة من خلال التركيز على دراسات البحث والتطوير المشتركة.

وتركيا كدولة تغلبت على مشكلة تقاسم المياه من خلال الوسائل الدبلوماسية، ويمكنها العمل على إيجاد حل وسط بين مصر وإثيوبيا، وإفادة البلدين والسلام والاستقرار في المنطقة من خلال التوسط للاستفادة من مياه نهر النيل بطريقة عادلة.

هناك مشكلة أخرى محتملة تسبب بها فيروس كورونا وأزمة المناخ، وهي كسر سلسلة التوريد في المنتجات الاستهلاكية. في القرن الحادي والعشرين، عملت دول العالم كسوق مشترك كبير من حيث شبكة التجارة العالمية. ومع تطور مرافق النقل، لم تعد المسافات مهمة. ومع ذلك، فقد دفع تفشي فيروس كورونا البلدين إلى الإغلاق على نفسها ومنتجاتها، فضلًا عن توقف إنتاج المنتجات ونقلها، وتضرر الانسجام بين الإنتاج والاستهلاك في النظام العالمي بشكل خطير. وعلى وجه الخصوص، تأثر توريد المنتجات الغذائية مثل الخضروات الطازجة والفواكه والحبوب.

وفي حين أن إنتاجنا الزراعي - حيث تُستخدم حاليًا المبيدات الحشرية والبذور الاصطناعية - يؤثر سلبًا على صحة شعبنا، يمكننا العودة إلى إنتاج الغذاء الصحي من خلال تطوير سياسة زراعية مشتركة بين مصر وتركيا، واستخدام بذور أجدادنا القديمة. في الماضي، كان الإنتاج الزراعي من أهم مقومات مصر وتركيا. لذا فبدلاً من التركيز على التطورات السلبية، أصبح في أيدينا تحويل الشدائد إلى فرصة لاقتناصها باستخدام معرفتنا وخبرتنا التاريخية.

بينما يتحرك العالم بسرعة إلى نقطة تتناقص فيها كفاءة الوقود الحفري، يتعين على العديد من البلدان الإقليمية التي تعتمد على الدولار البترولي أن تلحق بالعصر وتحافظ على قوتها الاقتصادية من خلال خلق قيمة مضافة، مثل تركيا ومصر، اللتين خلقتا قيمتهما الخاصة دون دخل النفط/ الغاز الطبيعي. في هذه الحالة، ستكون القوة التي تطبقها مصر وتركيا هي اتخاذ الثروات التاريخية والثقافية والخطوات التكنولوجية. عندما يحدث ذلك من مصر وتركيا، سوف يستمدان قوتهما من ماضيهما وشعبهما المكتظ بالسكان، وفي الوقت نفسه سيتوج نجاحهما بإمكانية التعاون.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع