بدلاً من الأنابيب الروسية.. هل يدفئ الغاز المصري أوروبا «القلقة»؟

الناقلة العملاقة GasLog Glasgow التي نقلت الغاز المصري المسال إلى هولن

الناقلة العملاقة GasLog Glasgow التي نقلت الغاز المصري المسال إلى هولن

كتب: خالد أبو هريرة

بوصول الناقلة العملاقة GasLog Glasgow إلى مرفأ Gate Terminal الهولندي في نهاية يناير المنصرم، وهي محملة بأول شحنة من الغاز المسال المصري والمعد للتصدير إلى الأسواق الأوروبية، تكون القاهرة قد أعلنت انخراطها رسميا في أزمة الطاقة العالمية الحالية، والتي تسببت فيها مخاوف متصاعدة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا، من غزو روسي محتمل لأوكرانيا، يرافقه قطع في إمدادات موسكو من الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

الانخراط المصري يمكن وصفه بثقة بـ«الإيجابي»، بما أن مصر ستكون - وهي المُصَدِر العربي الأسرع نموًا للغاز المسال - أحد البدائل التي سوف يعتمد عليها التشكيل الأمريكي - غرب أوروبي بقدر محدد، لتعويض أوروبا عن غياب الغاز الروسي، أو بالأحرى انخفاض حجم المنقول منه عنها. وهو ما يعني إلى جانب الانعكاس الإيجابي على عوائد الاقتصاد المصري، تحول خطط القاهرة خلال السنوات الأخيرة لإعلان مصر مركزا ً رئيسياً لإسالة الغاز الطبيعي وتصديره في شرق البحر المتوسط، إلى حقيقة واقعة.

وحتى يتم تفريغ شحنة الغاز المصري في Gate Terminal، وهي التي تعوقها عاصفة شتوية مألوفة في شمال أوروبا، سيكون ضروريا توضيح الصورة أكثر حول الكيفية التي سيصبح من خلالها الغاز المصري بديلا - بين آخرين - للغاز الروسي، والذي يؤمن وحده من 35% إلى 40% من احتياجات أوروبا. خاصة وأن أزمة الطاقة معقدة للغاية، لا يؤدي اشتمالها على صراع عسكري مفتوح مرتقب في أوكرانيا، أو تضمنها إعادة تقييم من قبل الشركاء الأوروبيين لعلاقتهم بروسيا فحسب إلى التأثير السلبي المباشر على الأداء الاقتصادي للعالم الصناعي في غرب أوروبا، أو حتى على الحياة اليومية للأفراد في الأخير، وإنما سوف يؤدي كذلك إلى تأثيرات سلبية أبعد بكثير من أوروبا المحدودة جغرافيًا، قد تصل إلى الأسواق الآسيوية المحتاجة على الدوام إلى إمدادات الغاز المسال.

 

مصر.. القوة الصاعدة
كان العام 2015 قد شهد تحول مصر إلى قوة صاعدة في مجال الطاقة، عقب اكتشاف شركة إيني الإيطالية للغاز والنفط، حقل ظهر للغاز الطبيعي على بعد نحو 200 كيلومتر شمال بورسعيد، وإعلانها أن "ظهر" يملك احتياطيًا مؤكدًا من الغاز يبلغ 30 تريليون متر مكعب، ما يجعله أحد أكبر الحقول المكتشفة في منطقة شرق البحر المتوسط، متجاوزاً حقل لفياثان الذي تسيطر عليه إسرائيل.

اكتشاف ظهر الذي أصبح يؤمن وحده 40% من احتياجات مصر من الغاز الطبيعي، مع طاقة إنتاجية يومية بلغت 3.2 مليار متر مكعب، صاحبته خطط من الحكومة المصرية لتحويل البلاد إلى محطة طاقة إقليمية لإسالة الغاز الطبيعي وتصديره إلى الخارج. ومثلت مصانع إدكو ودمياط للغاز المسال، حجر الزاوية في هذه الخطط. خاصة بعد إعادة تشغيل مصنع دمياط في فبراير من العام 2021، عقب 8 سنوات من التوقف منذ العام 2012، نتيجة اتفاق تسوية وقع في ديسمبر 2020 بين إيني الإيطالية والشركة الإسبانية المشاركة سابقا في المصنع، أصبحت إيني على أساسه تملك 50% من "دمياط"، مقابل 40% مملوكة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، و10% لصالح الهيئة العامة للبترول.

ساهمت عمليات زيادة الطلب العالمي على الغاز المسال خلال العام المنصرم في تحقق مخططات القاهرة. فقد اندفعت الصادرات المصرية من الغاز المسال إلى أعلى مستوياتها منذ العام 2011 (نحو 6.8 مليون طن في العام 2021)، لترتفع بذلك صادرات قطاع البترول المصري بنسبة 84.28% (12.9 مليار دولار، مقابل سبعة مليارات دولار خلال عام 2020).

وقد لعبت مصانع إدكو ودمياط أدوارًا أساسية في هذا التحول الإيجابي، حيث قام مصنع إدكو وتصل سعته لـ «7.2 مليون طن سنويا، بشحن 3.82 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال من خلال 58 شحنة في 2021، فيما قام مصنع دمياط، الذي تبلغ سعته التشغيلية لـ5 ملايين طن سنويا، بشحن 2.98 مليون طن.. من خلال 47 شحنة». وكانت شركة إيني عندما أتمت اتفاق التسوية مع الشركة الإسبانية في نهاية العام 2020، قد أعلنت عن توقعاتها بزيادة أحجام الغاز الطبيعي المسال في مصنع دمياط بمقدار 3.78 مليار متر مكعب سنويًا.

تكشف خريطة صادرات مصر من الغاز المسال في العام 2021، عن «توجه آسيوي» ظاهر لتلك الصادرات، حيث احتكرت الهند وحدها 22% من الغاز المسال المصري (500 ألف طن)، تتلوها باكستان (380 ألف طن)، والصين (280 ألف طن)، وبنغلاديش (200 ألف طن)، واليابان (130 ألف طن)، وأخيرا الكويت (120 ألف طن)، مقابل ظهور طفيف من أوروبا، يشتمل على تركيا (280 ألف طن)، وإسبانيا (190 ألف طن)، وفرنسا (80 ألف طن)، وأخيرا بلجيكا (60 ألف طن).

لكن عودة الأزمة الأوكرانية للاشتعال مؤخرا، وما صاحبها من انخفاض في واردات الغاز الروسي إلى أوروبا، والتي وصلت إلى أقل مستوى لها منذ 6 سنوات كاملة، يبدو أنه سوف يعمل على ترجيح كفة العملاء الأوروبيين من المشترين للغاز المصري المسال، أو على أقل التقديرات تحقيق لون من التوازن أمام الزبائن الآسيويين.

واشنطن.. خطة المصادر المتعددة
يمكن أن نعتبر ذلك الميل المتوقع خلال المستقبل القريب في وجهة الصادرات المصرية من الغاز المسال إلى أوروبا، والتي كانت الشحنة الموجودة حاليا في هولندا تجليها الأبرز، جزءًا من - أو تجاوبًا مع - خطة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لإسعاف حلفائها في غرب أوروبا من مصير مظلم، في حال أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا، وردت القوى الغربية الكبرى على تلك الخطوة بفرض المزيد من العقوبات على موسكو، ما سيؤثر حتماً على إمدادات الغاز الروسي إلى القارة العجوز، والتي وإن رفض محللون التكهنات بقطع روسيا النهائي لها عن غرب أوروبا، والميل إلى توقع مزيد من التخفيض في أحجامها، فإن تأكيدهم على كارثية الوضع في أوروبا في حال هذا التخفيض، يدفع إلى البحث عن مصادر جديدة للغاز المسال، تصلح كبديل للغاز الروسي.

بدأ الرئيس الأمريكي جو بايدن، خطة البحث عن هذه البدائل فعلا، عندما طرح بلاده نفسها كبديل لأوروبا عن الغاز الروسي. وهو ما يعكس التحول الدراماتيكي الأخير في أسواق الطاقة، الذي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بناء عليه، في صدارة الدول المصدرة للغاز المسال، متجاوزة كلا من قطر وأستراليا. وهو موقع من المرتقب حفاظ الولايات المتحدة عليه، في حال استمرت في التوسع في بناء مصانع إسالة الغاز الطبيعي.

في تقريره الحديث بموقع نيويورك تايمز، قال ستانلي رايد، الصحفي المتخصص في تحليلات الطاقة، إن الغاز السائل المتدفق إلى أوروبا هذه الأيام، والذي يأتي معظمه من الولايات المتحدة الأمريكية، يدشن أخيرا معركة طال انتظارها بين أمريكا وروسيا، على الأجدر بالهيمنة على صادرات الغاز إلى أوروبا.

لقد فاقت واردات الغاز الأمريكي المسال على محطة Gate Terminal الهولندية - والتي سبق وأن وصلتها شحنة الغاز المصري - كل التوقعات، حتى أنها تجاوزت الصادرات الروسية نفسها إلى أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة. ويقول "رايد" إن هذه الشحنات الضخمة ساهمت في «إنقاذ أوروبا مما كان يمكن أن يكون وضعًا مؤلمًا».

لكن الرئيس الأمريكي جو بايدن لا ينوي في الحقيقة جعل بلاده وحدها المصدر البديل للغاز الروسي، رغم العوائد الاقتصادية الضخمة التي ما فتئت شركات الطاقة الأمريكية على طول ساحل خليج المكسيك تحققها منذ بدء توريد غازها المسال إلى أوروبا، مستغلة القفزة الجنونية في الأسعار (800 دولار لكل ألف متر مكعب مقابل السعر الطبيعي الذي يدور حول 300 دولار). وذلك لأن الغاز الأمريكي لا يستطيع أن يفي وحده بمتطلبات العالم الصناعي في غرب أوروبا، في ظل احتياجات الأسواق الآسيوية المهمة من الغاز نفسه (خصوصا الصين التي بدأت أخيرا في توقيع عقود شراء للغاز الأمريكي). كما أن الفواتير الباهظة التي تدفعها اليوم الحكومات الأوروبية في الغاز المسال، وعدم قدرة مرفأ Gate Terminal على استقبال عدد كبير من ناقلات الغاز (حوالي 11 سفينة فقط شهريًا، وفي ظل ظروف جوية متقلبة المزاج)، إضافة إلى عدم امتلاك كثير من القوى الأوروبية ومن بينها ألمانيا المستهلك الأكبر للغاز الطبيعي محطات لإسالته أصلًا، كلها تجعل من فكرة التخلي الأوروبي الكامل عن أنابيب الغاز الروسي صعبة للغاية، لأنها سوف تضع الأوروبيين في النهاية في موقف يمكن وصفه على الأقل بـ «غير المريح».

قطر.. الغاز والدروزنز

كانت تلك الأسباب هي الدافعة «بايدن» إلى الخطوة الإيجابية التي اتخذها مؤخرا تجاه دولة قطر، التي التقى أميرها تميم بن حمد في نهاية يناير الفائت، وأعلن خلال اللقاء عن تكريم قطر بصفتها حليفاً استراتيجياً رئيسياً للغرب من خارج حلف الناتو. وذلك تكريما لجهود الحكومة القطرية في ملف الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وقبلها في الوساطة بين حركة حماس وإسرائيل في حرب غزة الصيف الماضي. ولكن تحليلات موازية، قالت إن هذا التكريم الأمريكي كان بدافع دعوة القطريين إلى المساهمة في تخفيف وطأة التخفيض الروسي في إمدادات الغاز إلى أوروبا.

كانت قطر تتنافس مع أستراليا حتى نهاية العام 2021 على موقع الصدارة بين الدول المصدرة للغاز المسال، حيث تبلغ القدرة التصديرية الحالية للغاز الطبيعي لقطر نحو 11.4 مليار متر مكعب يومياً، مقابل 10.3 مليارات متر مكعب يومياً لأستراليا. ويمكن لقطر أن تفلت من التراجع أمام الولايات المتحدة في حال اكمال مشروعات التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي من حقولها الشمالية، وإن كان الاستثمار الأمريكي الهائل في محطات الإسالة، يضمن الصدارة لواشنطن لسنوات قادمة.

لقد اعتبر العرض الأمريكي لقطر بالمساهمة في الخطة الأمريكية لمواجهة روسيا، فرصة ممتازة بالنسبة للدوحة لإتمام صفقة الطائرات المسيرة الأمريكية MQ-9 Reaper، المقدر قيمتها بأكثر من 500 مليون دولار، والتي كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد جمدها في العام 2020.

ولكن، وفي تخفيف من حجم التفاؤل، أكد متابعون على أن هذه الأجواء الإيجابية في العلاقات القطرية - الأمريكية، قد تظل آثارها الجيدة قاصرة على حدودها الضيقة فحسب، دون التأثير الثقيل على أزمة الطاقة في أوروبا. بما أن القطريين لا يملكون في الحقيقة فائضًا في العرض من الغاز المسال، بناءًا على العقود التي وقعوها سلفًا بالفعل مع مستوردين من القارة الآسيوية. ولن يخفف من وقع الضربة على الأوروبيين، إقناع واشنطن حلفائها في الهند واليابان وكوريا الجنوبية، تحويل بعض طلباتهم من الغاز القطري المسال إلى أوروبا. لأن هذه الكميات أيضا لن تعوض الأخيرة عن الغاز الروسي بشكل كامل.

مصر.. إعادة ترتيب موقعها

رغم هذه الأجواء الضبابية، تظل خطة الولايات المتحدة الأمريكية قائمة لتعيين بدائل لروسيا في إمدادات الغاز إلى الحليف الأوروبي، وهي تشمل أيضا بلدانا أصغر من حيث الإنتاجية مثل النرويج وهولندا وإيطاليا. ومن هذه الوجهة، يمكن اعتبار وصول الغاز المصري إلى Gate Terminal، وهي المحطة التي تعتبر المقابل الرئيس في أوروبا لخطوط الأنابيب التي يسري فيها الغاز الروسي، خطوة ذات وجاهة. لأن مصر وإن كانت لا تزال خلف قطر والجزائر في حجم الإنتاجية من الغاز الطبيعي، فإن صعود اسمها المتنامي في أسواق الطاقة مع المكتشفات الحديثة (شركة إيني أعلنت في يناير المنصرم عن حصولها على خمس تراخيص استكشاف جديدة في شرق البحر المتوسط ​​والصحراء الغربية وخليج السويس)، وإصرارها على تطوير بنيتها التحتية لإسالة وتصدير الغاز في مجمع دمياط، ودخولها في أحلاف إقليمية للطاقة (خط الغاز العربي الذي سوف يصل من خلاله الغاز المصري إلى لبنان منتصف فبراير الحالي)، إلى جانب استمرار صراعات الطاقة في أوروبا، والتي تحفز الشركاء في الغرب منها على إيجاد ولو بديل جزئي يخفف من إتكالها على الغاز الروسي. كل هذه الأمور، تمنح مصر فرصة ممتازة لتقوية وضعها الاقتصادي، إضافة إلىلإعادة ترتيب موقعها الجيوسياسي، ليس فقط داخل نطاقها الإقليمي الضيق المحدد بالشرق الأوسط ومنطقة شرق البحر المتوسط، وإنما كذلك في نطاقها الدولي الأكبر، الذي تضيق فيه المسافات بين الدول - بل والقارات - عند التطرق إلى قضايا واردات الطاقة المرتبطة رأسًا بوضع الاقتصادات القومية، وحتى الحياة اليومية للمواطنين.

وليس أدل على ذلك، من أن توماس رايد اتخذ من وصول الشحنة المصرية من الغاز المسال إلى هولندا، نقطة انطلاق في تقريره الطويل بـ«نيويورك تايمز« عن بدائل الغاز الروسي، مع تأكيده بأن القدرات المتوسطة للإنتاجية المصرية من الغاز في تزايد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع