«بإحياء خط الغاز مع إسرائيل»: هل تتخلص تركيا من عزلتها في شرق المتوسط؟

خط الغاز الإسرائيلي التركي المقترح

خط الغاز الإسرائيلي التركي المقترح

كتب: خالد أبو هريرة

بالتزامن مع زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ العاصمة التركية أنقرة، ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، احتلت الأحاديث حول إمكانية توقيع الطرفين التركي والإسرائيلي اتفاقًا لإنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي يربط بين البلدين، المساحة الأكبر من التحليلات في الصحافة الإقليمية والدولية.

التقرير التالي، يقدم أبرز المعلومات الخاصة بمشروع خط الأنابيب هذا، كما يحاول الكشف عن مستقبل منطقة شرق المتوسط في حال تنفيذه..

ما هو خط أنابيب الغاز الإسرائيلي التركي؟
هو خط أنابيب طوله 500 كيلومتر تقريبًا، غرضه الأساسي ربط حقل لفياثان الإسرائيلي للغاز الطبيعي، بخط أنابيب (تاناب) التركي لنقل الغاز، والواقع في جنوب تركيا. ومن الأخير، يتمدد الغاز الإسرائيلي في خط أنابيب جديد ينقله إلى أوروبا.

ومن المفترض أن ينقل المشروع من 9 إلى 12 مليار متر مكعب من إنتاج لفياثان إلى أوروبا سنويًا.

هل هو مشروع مستجد؟
لا. فقد ذاع الكلام عنه للمرة الأولى بين عامي 2015 و 2016. ولكن التجميد فرض عليه لاحقًا، نتيجة ظروف سياسية بالغة التعقيد والتشابك.
كان حقل لفياثان البحري للغاز الطبيعي، والواقع في شرق البحر الأبيض المتوسط أمام السواحل الإسرائيلية، قد اكتشف للمرة الأولى في العام 2010، باحتياطي ضخم يبلغ حوالي 605 مليار متر مكعب. ولذلك، أعلنت إسرائيل نيتها تصدير 40% من إنتاج الحقل.

في العام 2014، بدأت تل أبيب في وضع الخيارات المتاحة لعملية نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا. وبعد استبعاد تأسيس محطة إسالة في مدينة إيلات، أو ربط حقل لفياثان بخطوط الغاز العابرة للمملكة الأردنية الهاشمية، بسبب مخاوف أمنية من تعرض الخط للتفجير، أو تعرض سفن نقل الغاز المسال إلى الهجمات في البحر الأحمر، فقد انحصر الاختيار الإسرائيلي بين مشروعين للأنابيب للربط بينها وبين أوروبا: الأول عبر جزيرة قبرص واليونان، والثاني عبر تركيا.

خط أنابيب لفياثان تاناب

 

كان الاختيار الثاني، أي مشروع أنابيب إسرائيلي-تركي، هو الأكثر ترجيحًا في البداية، بسبب تكلفته المبدئية المنخفضة (2 مليار دولار)، وقصر مسافته، قياسًا إلى الخط العابر لقبرص واليونان، والذي يمتد لما يقارب 2000 كيلومتر. ونعلم اليوم أن تكلفته تصل إلى 10 مليار دولار.

ورغم أن المصالحة التركية الإسرائيلية في العام 2016، بعد اعتذار رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو رسميًا لنظيره التركي أردوغان عن حادث ماوي مرمرة، كان من المفترض أن تدفع هذا الترجيح إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، فإن عودة القطيعة الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب في العام 2018، على إثر نقل الولايات المتحدة الأمريكية سفارتها في إسرائيل إلى القدس، دفعت الدولة العبرية ليس فقط إلى وقف مشروع خط الأنابيب بينها وبين تركيا إلى أجل غير مسمى، بل وحتى الاندفاع إلى تطبيق الخيار القبرصي-اليوناني.

فعقب تقاربات مستمرة بين القوى الصاعدة في مجال مكتشفات الغاز الطبيعي بمنطقة شرق المتوسط، تجلت في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في يناير 2019 (مقره القاهرة ويضم مصر وإسرائيل والأردن ولبنان والسلطة الفلسطينية)، أعلنت تل أبيب في يناير من العام 2020 عن توقيع اتفاق مع نيقوسيا وأثينا يقضي بمد خط أنابيب، أطلق عليه اسم إيست ميد EastMed، من حقل لفياثان إلى أوروبا عبر الحدود القبرصية-اليونانية.

إيست ميد

 

دفع هذا الاتفاق القيادة السياسية في تركيا إلى الجنون، بعد أن همشت بالكامل من مستقبل الطاقة في منطقة شرق المتوسط. واندفع أردوغان للتأكيد على عدم نجاح أية خطط مستقبلية لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا دون المرور أولًا عبر الأراضي التركية. كما واصل الرئيس التركي دفع سفن التنقيب في مياه المتوسط، ضاربًا بالاعتراضات الإقليمية والدولية عرض الحائط، ومنذرًا بإشعال حرب واسعة النطاق في المنطقة.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا عاد خط الأنابيب الإسرائيلي التركي إلى الحياة مرة أخرى؟
في يناير من العام الحالي، أعلنت الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن، انسحابها من تمويل مشروع إيست ميد، على خلفية تكلفته العالية جدًا قياسًا إلى حجم الغاز المفترض نقله إلى القارة الأوروبية من خلاله.

كما أكدت تقارير أن المخاوف العالية في واشنطن من التهديدات البيئية للمشروع، وتبني الإدارة الأمريكية الحالية خطط واضحة لمكافحة التغير المناخي، لعبت أيضًا دورًا في سحب الدعم الأمريكي.

تلقفت تركيا خبر نهاية إيست ميد بسعادة، وبدأت تدابيرها الخاصة لإحياء خط الأنابيب مع إسرائيل والمعطل منذ العام 2016. وكانت الذروة مع إعلان الرئيس أردوغان استعداد بلاده ربط الغاز الإسرائيلي بأوروبا من خلال العمل كوسيط. وهو التصريح الذي سبق زيارة إسحق هرتسوغ لأنقرة بأيام قلائل.

ما فرص نجاح المشروع الإسرائيلي التركي هذه المرة؟
ثمة تضارب في التوقعات الخاصة بدرجة نجاح المشروع في حال الإعلان عنه فعلًا.

فقد اعتبرت مهدان ساغلام، المحللة بموقع المونيتور AL MONITOR، في تقرير أذاعه لها الأخير في يناير المنصرم، أن خط الأنابيب الإسرائيلي التركي يبدو بعيدًا عن التنفيذ الفعلي، بسبب تكلفته المادية العالية هو الآخر، رغم اعترافها في الوقت نفسه بإنخفاض تلك التكلفة مقارنة بـ إيست ميد. إضافة إلى إثارة النسخة التركية من المشروع، المخاوف البيئية نفسها التي سبق وأثارها إيست ميد. وبالتالي، فإنها تتوقع بقاء خط الأنابيب الإسرائيلي التركي، في حال إنشائه فعلًا، قاصرًا على المسافة بين البلدين دون التمديد إلى أوروبا.

أما أومود شكري، وهو محلل متخصص في الأبعاد الجيوسياسية للطاقة، فقد كتب تقريرًا أكثر تفاؤلًا لصالح موقع مينا أفيرز MENA AFFAIRS في فبراير الماضي، لم يبشر فيه فحسب بمستقبل أكثر استقرارًا وأمنًا للشرق الأوسط، في حال توافق الطرفان التركي والإسرائيلي، وإنما اعتبر مشروع الأنابيب بين البلدين، خطوة ممتازة أمام الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا، لتخفيف الاعتماد على صادرات الغاز الطبيعي الروسي، والتي تمثل 40% من احتياجات القارة الأوروبية. وشكري يداعب بذلك رغبة ملحة حالية لدى التشكيل الأمريكي-غرب أوروبي في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا، وتهديد موسكو لخصومها الأوروبيين بقطع إمدادات الغاز عنهم، ردًا على العقوبات الاقتصادية ضدها.

ويلاحظ أن تحليل مهدان ساغلام قلل من احتمالية أن يلعب خط الغاز الإسرائيلي التركي دورًا واسعًا في تخفف أوروبي من الاحتياج للغاز الروسي، بما أن الخط لن ينقل كما هو متوقع أكثر من الكميات التي كان سينقلها إيست ميد (من 9 إلى 12 مليار متر مكعب سنويًا). وهو رقم ضئيل مقارنة بخط غاز نورد ستريم 1 الذي ينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى أوروبا تحت مياه بحر البلطيق.

هل يعني ذلك أن تركيا لم تحقق انتصارًا؟
مجرد إنهيار مشروع إيست ميد، والذي ألحق باليونان - خصمة تركيا التاريخية الأبرز في الإقليم - خسائر سياسية واقتصادية كبيرة، يعتبر انتصارًا لأنقرة، والتي لم تتخلص فقط من عبء التكتل ضدها في شرق المتوسط، بل حولها في وقت قصير من قوة معزولة، إلى قوة تلجأ إليها إسرائيل - أحد أقوى الأطراف الفاعلة في شرق المتوسط على الإطلاق - لعلاج أزمتها الناجمة عن إلغاء إيست ميد، والتي أعادت الدولة العبرية إلى المربع صفر في قضية تصريف فائض الغاز الطبيعي الذي تنتجه في حقل لفياثان. وهو ما يعني أن تركيا، التي قضت السنوات الأخيرة في التنقيب بالقوة عن الغاز في شرق المتوسط، وبحثت دون جدوى عن ترسيم قانوني معترف به دوليًا للحدود البحرية مع مصر وإسرائيل، تجد نفسها اليوم في وضع آمن كشريك لا بد منه في مستقبل الطاقة بشرق المتوسط.

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع