«من منا المنبوذ الآن؟»: السعودية والإمارات تعاقبان واشنطن بـ «برميل نفط»

ولي عهد أبو ظبي مع ولي عهد المملكة العربية السعودية

ولي عهد أبو ظبي مع ولي عهد المملكة العربية السعودية

كتب: خالد أبو هريرة

بخفي حنين، عاد رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون من جولته الأخيرة في الخليج العربي، بعد أن رفض ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان، طلبه بزيادة إنتاجهما اليومي للنفط لتعويض الأسواق العالمية المتضررة من العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسي. ليكون ذلك هو الرفض الثاني الذي تواجه به الرياض وأبو ظبي القوى الغربية، بعد تجاهل مطالبات مماثلة للرئيس الأمريكي جو بايدن.

التقرير التالي، يحاول تلخيص موقف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من تلك الطلبات الغربية المكتسية صفة الإلحاح، مع تفسير دوافعهما في رفضها..

 

لماذا يطلب الغرب من الرياض وأبوظبي زيادة إنتاج النفط؟
بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في نهاية فبراير الماضي، وهو الحدث المستمر حتى اللحظة الحاضرة، قرر التشكيل السياسي الأمريكي - غرب أوروبي معاقبة موسكو بفرض عقوبات سياسية واقتصادية متلاحقة ضدها.

كان من الطبيعي أن تمس تلك العقوبات قطاع الطاقة في روسيا التي تعتبر أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، وثاني أكبر منتجي النفط فيه (14% من إنتاج النفط العالمي للعام 2021). ولكن نتيجة الاعتماد الكبير للقارة الأوروبية على النفط الروسي (60% من براميل النفط الروسي المصدرة تذهب إلى أوروبا، وتوفر ثلث احتياجاتها من النفط)، فإن العواصم الأوروبية أحجمت عن متابعة قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن حظر جميع واردات الغاز والنفط الروسية، والذي اتخذه في 8 مارس الحالي. رغم أن تقارير متواترة، أكدت فعلًا أن بعض شركات النفط والوسطاء التجاريين والمصارف في أوروبا، قد بدأت الابتعاد عن روسيا كمورد نفطي.

وعلى شاكلة محاولات الولايات المتحدة الأمريكية البحث عن موارد بديلة للغاز الطبيعي، تعوض أوروبا عن إمدادات الغاز الروسي (تقدم 40% من احتياجات العالم الصناعي في غرب أوروبا)، فإن واشنطن - رفقة المملكة المتحدة البريطانية - تقود حملة لتعويض مماثل في قطاع النفط. ولكن على العكس من الغاز الطبيعي، الذي تتوافر فيه أسماء لمنتجين صاعدين للغاز المسال يمكن لأوروبا أن تستعيض بهم مؤقتًا عن الغاز الروسي، فإنه لا يمكن للولايات المتحدة وبريطانيا أن تعوض غياب النفط الروسي (متوقع نقص إمدادات النفط الروسي بـ 3 ملايين برميل يوميًا مع حلول أبريل المقبل، في حال استمرت العقوبات الغربية)، سوى بمنتجين اثنين كبار فقط، هما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، واللذان يمتلكان وحدهما حاليًا، فائضًا في إنتاج النفط اليومي.

بناء على ذلك، وفي مواجهة ارتفاعات قياسية في أسعار برميل النفط (بلغ سعر برميل خام برنت 139,13 دولار في 7 مارس، قبل أن يعاود الانخفاض وصولًا إلى 107.57 دولار في وقت كتابة التقرير الحالي) نتيجة نقص المعروض، تترك بصماتها السلبية على مستويات التضخم في الاقتصادات العالمية، وتقود إلى ارتفاعات جنونية في أسعار السلع الأساسية، فإن التحالف البريطاني/الأمريكي يحاول حث السعودية والإمارات على زيادة إنتاجهما من النفط، للإبقاء على أسواق الطاقة العالمية مستقرة، والتخفيف من وطأة غياب النفط الروسي على تلك الأخيرة.

 

لماذا ترفض إذًا الرياض وأبوظبي الطلب الغربي؟
ثمة أسباب جيوسياسية/اقتصادية مزيجة للرفض السعودي/الإماراتي.

فخلال السنوات الماضية، تراكمت مجموعة من العوامل التي قادت في النهاية إلى توتر العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الرياض وأبوظبي بالبيت الأبيض. ودفعتهما إلى عدم الاتساق مع التوجهات السياسية لواشنطن، على إطلاق هذه التوجهات.

بالنسبة للعلاقات السعودية/الأمريكية على وجه الخصوص، وكما يلاحظ برنارد هايكل البروفيسور في دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون، في تحليل كتبه لصالح موقع Project Syndicate، فإن تدنيها يعود إلى تباين مواقف الطرفين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والغزو الأمريكي للعراق في العام 2003. ثم يتضاعف هذا التدني في ظل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي أطلق استراتيجية أمريكية خاصة تجاه المناطق الشرق آسيوية والصين، اعتبرتها الرياض تهميشًا لها. كما توصل - أي أوباما - في العام 2015 إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي.
ورغم وصول دونالد ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض في العام 2017، وهو المختلف أيديولوجيًا مع سلفه أوباما، فإن ذلك لم يحسن كثيرًا من العلاقات بين واشنطن والرياض، حيث هوجمت المنشآت النفطية السعودية في العام 2019 على يد الحوثيين، الذراع العسكرية لإيران في اليمن، دون أن تتدخل الولايات المتحدة لصالح الطرف السعودي. وكل ما بدا مهمًا لترامب في ذلك الوقت، هو عقد صفقات الأسلحة مع المملكة لتوفير السيولة النقدية للخزانة الأمريكية.

في ولاية ترامب أيضًا، دخلت الإمارات العربية المتحدة على خط توتر العلاقات مع واشنطن، بعد أن رفض الجانب الأمريكي دعم العملية العسكرية السعودية/الإماراتية المشتركة ضد الحوثيين في اليمن.

ولم تتغير هذه الأوضاع إلى الأفضل مع فوز جو بايدن، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي، بالسلطة في البيت الأبيض نهاية العام 2020. بل زاد الطين بلة، وعد بايدن بتحويل المملكة العربية السعودية إلى «دولة منبوذة»، والمضي في رفض العمل العسكري السعودي/الإماراتي باليمن.

نتيجة كل تلك التغييرات الجذرية، بدأت المملكة العربية السعودية رفقة الإمارات، في اتباع سياسات خارجية تخفف من حدة الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية. وكما كان متوقعًا، مثلت الصين وروسيا البدائل الكبرى المتاحة للجانبين. وقد شهدت السنوات الماضية تعاونًا روسيًا - سعوديًا، خصوصًا في منظمة أوبك بلس (تضم 23 دولة من كبار منتجي النفط في العالم، من بينهم 13 دولة تمثل الأعضاء الرئيسيين في منظمة أوبك)، على مستوى خفض إنتاجية النفط للحفاظ على استقرار أسعاره عالميًا. ولم يعكر صفو ذلك التعاون إلا أزمة الأسعار النفطية في مارس من العام 2020، حين رفضت موسكو أولًا طلب الرياض خفض إنتاج النفط على خلفية الأزمة العالمية التي خلفها انتشار فيروس كورونا، ثم عادت نتيجة إغراق السوق بالنفط السعودي وأعلنت تجديد عضويتها داخل أوبك بلس، مع الالتزام بالاتفاق الذي مررته المنظمة بخصوص زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميًا.

اتفاق أوبك بلس بشأن الزيادة الإنتاجية اليومية، يمثل حجر الزاوية في الرفض السعودي/الإماراتي للمطالبات الأمريكية/البريطانية، حيث يصران سويًا على التمسك بالكمية التي أقرتها المنظمة دون تغيير. هنا، تجتمع رغبة الرياض وأبوظبي الطبيعية في الحفاظ على أرباحهما داخل سوق يزداد تعطشه للنفط باستمرار في ظل الغياب المحتمل الكبير للنفط الروسي، مع نية البلدين العربيين «معاقبة» الولايات المتحدة الأمريكية على مواقفها السابقة والحالية تجاههما.

وفي إطار «المعاقبة» نفسها، يمكن أن تفهم التقارير التي انتشرت قبل أيام قلائل حول رغبة المملكة العربية السعودية في بيع نفطها إلى الصين بالعملة الصينية اليوان بدلًا من الدولار، الأمر الذي قد يهدد حال حدوثه، بتوجيه ضربة قوية للعملة الأمريكية.

إن الرفض العربي لنداء بوريس جونسون الأخير، وقبله نداءات بايدن المتكررة، وهو رفض يدرك تمامًا عجز الولايات المتحدة وبريطانيا عن توفير بدائل أخرى للنفط الروسي، خصوصًا في ظل ترهل البنية التحتية والعقوبات النفطية التي يعاني منها منتجون مثل إيران وفنزويلا، يعني أن الرياض وأبوظبي ترغبان في إيصال رسالة إلى الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، مفادها أن البيت الأبيض يمكنه أيضًا أن يكون مقرًا للحكم في دولة «منبوذة»، إذا أصر على تسيير الأمور برغبته المنفردة وحدها. ولو تكلف الأمر للتأكيد على هذه الرسالة، التلويح بأزمة نفطية تقارب تلك التي وقعت في سبعينيات القرن الماضي، وغيرت من طريقة تفكير العقل السياسي الغربي إلى الأبد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع