عزلة أنقرة

حسن مدن

حسن مدن

صورة تركيا في محيطها الإقليمي هي صورة الدولة المعزولة، التي تبعث سياساتها، بأوجهها المختلفة، الريبة والقلق من الدول المحيطة بها، لأن هذه السياسات مبنية على استراتيجية توسعية، يحلم واضعوها ومنفذوها ببعث الحلم الإمبراطوري العثماني الذي أصبح طي التاريخ منذ أكثر من قرن، فالشعوب التي ذاقت مرارة الطغيان العثماني وقدمت التضحيات للخلاص منه، لن ترضى بنسخته الجديدة، المصنوعة من أوهام، حتى لو تبدى لأنقرة خلاف ذلك.

لا ينحصر الأمر في مواقف الغالبية الساحقة من الدول العربية، وإنما أيضاً في سواها من دول المحيط الإقليمي، ونجد تعبيراً عن ذلك في البيان الذي أصدرته مؤخراً دول مهمة في الشرق الأوسط وعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط، بينها دولتان عربيتان هما مصر والإمارات، إضافة إلى كل من اليونان وقبرص وفرنسا، وفيه نددت بتحركات تركيا غير القانونية في شرق البحر المتوسط، واعتبرتها تهديداً للأمن والسلم الإقليميين.

البيان صدر بعد اجتماع عقده وزراء خارجية هذه الدول، في إطار المشارورات والتنسيق الجاري بينها، حول المخاطر التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها. ومن البيان ندرك أن المتضرر من السياسات التوسعية التركية في المنطقة ليست الدول العربية فقط، كما نجد تجليات ذلك في كل من سوريا وليبيا، وإنما أيضاً دول أخرى في المنطقة، حيث ندّد وزراء خارجية الدول التي أصدرت البيان بـ«التحركات التركية غير القانونية الجارية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص ومياهها الإقليمية، بما تمثله من انتهاك صريح للقانون الدولي وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».

ليست قبرص وحدها من تعاني السياسات التركية بسبب إمعان أنقرة في محاولات إجراء عمليات تنقيب غير شرعية داخل المناطق البحرية القبرصية. اليونان بدورها، كما أوضح البيان، تعاني تصاعد انتهاكات تركيا للمجال الجوي اليوناني، بما في ذلك التحليق فوق المناطق المأهولة والمياه الإقليمية في انتهاك للقانون الدولي، هذا فضلاً عن استغلال تركيا بصورة ممنهجة لدفع اللاجئين نحو عبور الحدود البرية والبحرية اليونانية بشكل غير شرعي.

طبيعي أن يشكل التدخل العسكري التركي في ليبيا أحد أهم بواعث القلق على الأمن والاستقرار لا داخل ليبيا وحدها، وإنما في كامل المنطقة، فأنقرة هي من ترسل المرتزقة من مختلف الجنسيات إلى ليبيا، ممن سبق لها أن دربتهم وسلحتهم وقدمت لهم سبل الدعم كافة للقتال في سوريا، ما جعل من الحل السياسي للأزمة السورية متعذراً حتى اللحظة، ولم تكتف بذلك فقامت بالتدخل العسكري المباشر في النزاع الليبي والزج بقواتها فيه. 

د. حسن مدن - نقلًا عن «الخليج»

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع