«كورونا» وفاشية أردوغان

جمال الكشكي

جمال الكشكي

في زمن ««كورونا»» تكسرت قواعد ومفاهيم عديدة... العالم ينتظر ملامحه الجديدة بعد الجائحة... احترم الموت... وتفرغ لمقاومة الوباء... زعماء وقادة ورؤساء فرضت عليهم الإنسانية تعاملاً خاصاً في هذه الظروف، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم توقف أطماعه جائحة «كورونا»، ولم يردع تصرفاته الشهر الحرام.

هو مثل جماعته «الإخوان»، اعتبر الكوارث فرصة لتحقيق أطماعه وتوسعاته في الداخل والخارج.

في هذه الظروف الصعبة أعطى الضوء الأخضر لتنظيمات وميليشيات لتمارس عنفها في مختلف العواصم العربية.

حساباته الوهمية قادت خياله المريض بأن «كورونا» تركت فراغاً يستطيع أن يملأه. راكم المرتزقة، ناور بخطابات وتصريحات هزلية، ففضحته البحرية اليونانية بكشفها عن إرساله كميات كبيرة من المساعدات العسكرية، والطائرات المسيّرة إلى حليفه فائز السراج رئيس الحكومة الليبية التي انتهت صلاحيتها منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2017.

تزايدت خسائر الجيش التركي، خشي حزبه من رد فعل الشارع فأصدر تشريعاً يجرم أي حديث حول خسائر جيشه في ليبيا وسوريا. رجاله المخلصون يواصلون الزيف والكذب والتضليل.

الرئيس التركي صاحب استراتيجية جدول أعمالها هو التخريب، واستدعاء الفوضى التي يشارك في صناعتها منذ عام 2011.

لم يتحمل الانهيارات والضربات المتلاحقة للتنظيمات الإرهابية مثل «داعش»، و«أحرار الشام» فانشغل الأيام الماضية بكيفية إعادة بث الروح فيها من جديد. تعامل مع «الإخوان» بوصفه «المرشد الفعلي» للجماعة، ولم يتخلوا أمامه عن مبدأ السمع والطاعة، زرع إعلاماً مأجوراً، واعتقد أنه سيحقق به مزيداً من المكاسب، لكن الواقع يؤكد سقوطه في مصيدة الخسائر.

سياساته الهوجاء خصمت من رصيده، تآكلت شعبيته لصالح معارضيه، أحدث الاستطلاعات كشفت تراجع إردوغان لأقل من 23 في المائة من الأصوات، وأكدت أن أصوات الأغلبية من نصيب عمدة إسطنبول.

كلما طاردته هواجس الرحيل، بحث عن بضاعة فاسدة يبيعها للداخل التركي. استلهم الفكرة الفارسية، وأسس لنفسه الحرس الثوري الإردوغاني تحت لافتة «حراس المدن» أو «حراس القرى»، و«فرق السلطان مراد» و«شركة صادات». اعتبرها أسلحة جاهزة يمكن في أي لحظة إشهارها في وجه معارضيه.

اتبع سياسة التخلص من الشخصيات اللامعة المحتمل أن يكون لها شعبية يلتف الشارع حولها. واصل حملات الاعتقالات بلا هوادة، استطاع أن يجعل تركيا أكبر سجن في العالم. توهم أن عودة العثمانية الجديدة في ليبيا على بُعد أمتار، ولم يدرك أنه بالإمكان بتر أقدام ميليشياته من بُعد أميال.

ثمة تحالف يعاني من انفصام عن الواقع. التنظيم الدولي لـ«الإخوان» يرى أن الفرصة قائمة لاستعادة الخلافة التي هوت مع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وأنصار النظام التركي من القوميين يرون أن سياسة إردوغان سوف تسترد الأراضي التي خسرتها تركيا بموجب اتفاقية لوزان عام 1923.

جرأة مرفوضة، وتخريب لن يرحمه التاريخ، وتصرفات تحتاج من المجتمع الدولي إلى وقفة حاسمة. ليس له الحق في احتلال شمال العراق حتى معسكر بعشيقة، سوء النية يؤكده وضع اسم «الليرة الموصلية» في الميزانية التركية منذ 2011. ومن غير المقبول استمرار التجاوزات في حق سوريا. لن يصمد إردوغان أمام أمواج المتوسط إذا لم يستيقظ من هواجس التمدد في ليبيا وشمال أفريقيا.

ظن أن الأجواء السياسية دانت له في تونس، حاول إردوغان عقد اتفاقيات مع الحكومة التونسية للهيمنة والنفوذ، لكن صدمته ردود فعل بعض نواب البرلمان الذين قطعوا الطريق عليه دفاعاً عن السيادة الوطنية.

«العثمانلي» لن ينجو من سداد فواتير باهظة على مختلف الأصعدة. الشواهد بدأت بانشقاق أقرب الناس إليه أحمد داود أوغلو، وعلي باباجان، وعبد الله غُل. الضربات متلاحقة في عظم الاقتصاد التركي. البنك الدولي قال شهادته أمام العالم. زاد عجز الميزانية، اختلال الميزان التجاري، ارتفاع معدلات البطالة، زيادة الدَين الخارجي ليصل إلى 495 مليار دولار، كانت نتيجتها هجرة الاستثمارات الأجنبية.

الضربة الموجعة جاءت من حلف الناتو الذي تخلى عن تركيا بسبب خروجها عن المسار المحدد لها. لعب إردوغان على الحبل بين البيت الأبيض والكرملين. لقنته واشنطن درساً مشروطاً بعدم شراء منظومة «إس 400» الروسية، ومنعت بيع طائرات «إف 35» الحديثة لتركيا.

مغامراته العسكرية من دون وجه حق، أنهكت قدرات جيشه، حبس أنفاس هزيمته، وراح يعيد التاريخ بتوقيع «الانكشاريين الجدد» الذين ارتكبوا أبشع الجرائم. لم يكتفِ بمهمته «كعراب الإرهاب» في المنطقة العربية فقط، بل امتد لاختراق المجتمع الأوروبي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فضح العلاقة بين أجندة إردوغان، وأجندة الإرهاب في أوروبا. تقارير المخابرات الألمانية أكدت أن البؤر الإرهابية التركية تهدف لترسيخ أفكار إردوغان، وحذرت من دعم أنقرة المستمر لأئمة المساجد في أوروبا، وتمويلها بهدف تحقيق أهداف سياسية وتخريبية.

كل الشواهد ليست في صالح إردوغان. تزداد خسائره باستمرار تدخلاته في حق سيادة الدول، وشؤونها الداخلية. بات الرئيس التركي ونظامه كمن «كذب وصدق كذبته». اتخذ من الخيال وطناً يعيش فيه، واصل مستشاره الإساءة إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في محاولات استفزازية. جاء الرد عليها بحكمة الكبار.

نحن أمام مسارات «فاشية» تخالف جميع القوانين والمواثيق والأعراف الدولية. الرئيس التركي يظن أنه سينجو بتصرفاته، لكن كل التقديرات تؤكد أن نظامه اقترب من النهاية. فجميع المؤشرات تقود إلى أن إردوغان على حافة السقوط في الهاوية.

 

 

جمال الكشكي- كاتب مصري، نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع