الفارق بين العلمانيين وأردوغان

محمد نور الدين

محمد نور الدين

يُظلم أربكان إذا قارناه برجب طيب أردوغان. فأربكان، على الرغم من كل الضغوط، كان عدواً مبدئياً للكيان «الإسرائيلي» وعدواً للسياسات الغربية في المنطقة.

يحتفظ العرب، والكثير من شعوب البلقان، بذكريات سيئة جداً عن تركيا على امتداد تاريخيها العثماني والجمهوري.

لا حاجة للتوغل بإسهاب في التاريخ العثماني، فعلى الرغم من الجهود المشكورة التي تفرغ لها الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو في الكتاب الذي أشرف عليه، عن الدولة العثمانية في جزأين كبيرين، فلن يختلف اثنان على أن الحقبة العثمانية كانت حقبة أعادت المنطقة إلى الوراء كثيراً.

وقد بلغ الصلف العثماني ذروته في السنوات الأخيرة من عمر الدولة؛ حيث طفق حكامها بنزعاتهم القومية والمذهبية يعيثون إبادة وإعداماً ونفياً لمختلف القوميات غير التركية والمذاهب التي لا تدين بها الدولة.

أما في الفترة الجمهورية فكم كانت المآسي كثيرة، بدءاً من اغتصاب لواء الإسكندرون عام 1939 مروراً بالاعتراف بالكيان الصهيوني كأول دولة مسلمة تعترف به عام 1949. وتلاه تحالفات وعلاقات ومؤامرات ضد العرب في الخمسينات والثمانينات والتسعينات وصولاً إلى اليوم.

ولا يختلف اثنان على أن سياسات تركيا في العهد الجمهوري لم تتأثر كثيراً بتناوب العلمانيين والإسلاميين على السلطة؛ حيث كان لكل منهما نصيبه المؤذي بطريقة أو بأخرى للمصالح العربية.

نسوق هذا الكلام بمناسبة وفاة رئيس أركان الجيش التركي السابق إسماعيل حقي قره ضايي يوم الثلاثاء الماضي بعد طول معاناة مع الأمراض والعمليات.

وخصوصية قره ضايي أنه كان رأس الحربة في الانقلاب المقنع - ما بعد الحادث الذي أطاح رئيس حكومة تركيا نجم الدين أربكان الذي كان أول رئيس إسلامي للحكومة في تاريخ تركيا حينها في عام 1996، قبل أن يصل رجب طيب أردوغان ليكون ثاني رئيس حكومة إسلامي في عام 2003.

بعد تمنع دام خمسة أيام، عاد أربكان ورضخ ووقّع على القرارات؛ لكنه ماطل في التنفيذ عدة أشهر إلى أن فقدت حكومته الأكثرية فاستقال في 18 يونيو/‏حزيران من العام نفسه. وفي نهاية أغسطس/‏آب كان حقي قره ضايي يتقاعد ليخلفه الجنرال حسين كيفريك أوغلو الذي رفع شعار «حرب الألف عام» ضد الإسلاميين في تركيا.

يُظلم أربكان إذا قارناه برجب طيب أردوغان؛ حيث إن أربكان على الرغم من كل الضغوط فإنه كان عدواً مبدئياً للكيان «الإسرائيلي» وعدواً للسياسات الغربية في المنطقة، وهو الذي أسس لنشوء مجموعة الثمانية الإسلامية. ويحسب لأربكان أنه لم يتدخل مباشرة في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية. فيما كان أردوغان شريكاً في قيادة مشروع الشرق الأوسط الجديد عام 2005، وفتح باب البرلمان التركي عام 2007 أمام رئيس «إسرائيل» شمعون بيريز ليكون أول مسؤول «إسرائيلي» رفيع يلقي كلمة أمام البرلمان. وأردوغان في ذلك لا يقل عن العلمانيين في نسج العلاقات القوية مع «إسرائيل»؛ بل إن التعاون التجاري بين تركيا أردوغان و«إسرائيل» بلغ ذروته العام الماضي (2019) ليبلغ أكثر من ستة مليارات دولار.

وبذلك يقتدي أردوغان بالنهج الذي اتبعه سلفه في الخمسينات عدنان مندريس الذي عقد التحالفات الأكثر ضرراً على العرب في إطار حلف شمال الأطلسي وحلف بغداد وحلف السينتو وانتهى الأمر به، ليس لهذه الأسباب، إلى حبل المشنقة في عام 1961 مع وزيري خارجيته وماليته؛ إثر الانقلاب الذي خلعه قبل ذلك بعام.

إذا كان هناك ما يفرق بين أربكان وأردوغان، وإذا كان هناك ما يجمع بين العلمانيين وأردوغان، فإن أمراً أساسياً مهماً يفرّق بين العلمانيين وأردوغان، وهو اختلاف طبيعة تعاطي كل طرف مع الدول العربية والإسلامية.

الفارق الأساسي أن العلمانيين كانوا يتعاونون أو يتصادمون مع العرب، من دولة لدولة. أما في عهد أردوغان فإن حزب «العدالة والتنمية» تعاطى مع البلاد العربية كما لو أنها ولايات سابقة يجب استعادتها، وليست دولاً حصلت على استقلالها، كما تخطى في علاقاته مع الدول العربية وجود النظام الحاكم أو الدولة، ونسج علاقات موازية مع أحزاب المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني وزعماء العشائر؛ بل حاول التسلل إلى داخل الجيوش؛ للقيام بانقلابات عسكرية من داخل المؤسسة. ولم يكتف بذلك؛ بل لجأ إلى التدخل العسكري والاحتلال المباشر في دول مجاورة مثل: سوريا والعراق وفي دول بعيدة مثل ليبيا، وأقام قواعد عسكرية في قطر والصومال. وهذه خطوات لم تلجأ إليها سابقاً أي حكومة من الحكومات العلمانية.

في ذكرى رحيل إسماعيل حقي قره ضايي لا نذرف الدمع عليه هو من كان حليفاً موضوعياً ل«إسرائيل» وفي عهده وقع أشهر اتفاق عسكري بين تركيا و«إسرائيل» في 23 فبراير/‏شباط 1996؛ لكننا نتذكر، أن لقره ضايى شركاء في جريمة العداء للعرب وتفتيت وحدتهم ونهب ثرواتهم، ولو كان هؤلاء الشركاء يصفون أنفسهم بالإسلاميين الديموقراطيين، والإسلام والديموقراطية منهم براء إلى يوم الدين.

 

محمد نور الدين- نقلا عن صحيفة الخليج

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع