الحل الأردوغاني للمسألة الكردية في تركيا

رستم محمود

رستم محمود

في الأول من شهر أكتوبر الحالي، يكون قد مرّ عام ونصف فحسب على آخر انتخابات بلدية في تركيا، وتكون السلطات التركية قد عزلت نصف رؤساء البلديات التي فاز بها حزب الشعوب الديمقراطية المؤيدة للأكراد. فمن أصل 65 بلدية "كبرى" لمدن ومراكز محافظات فاز بها حزب الشعوب الديمقراطية خلال تلك الانتخابات جنوب شرق البلاد، حيث الغالبية السُكانية الكردية.

خلال ثمانية عشر شهراً، تم عزل ومقاضاة وسجن 33 رئيس بلدية ومجلس بلدي، وتعيين ولاة وإداريين مواليين لحزب العدالة والتنمية عوضاً عنهم، وكل ذلك بشُبهٍ ضبابية غير واضحة، تحت بند "تأييد الإرهاب"، الذي هو بالنسبة للأجهزة الأمنية والقضائية التركية قد يطال كل من يدعم ويساهم بالمساواة القومية بين الأكراد والأتراك في البلاد، بما في ذلك الحديث والنشر والدعاية للثقافة واللغة الكردية.

في نفس اليوم الذي بلغت فيه الإحصائية العامة للبلديات الكردية التي تم الاستيلاء عليها مُعدل النصف، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخاطب البرلمان التركي، بغياب برلماني حزب الشعوب الديمقراطية "الأكراد"، الذين كانوا ينفذون وقفة احتجاجية في الحديقة المقابلة لمبنى البرلمان، تنديداً بحملات الاعتقال التي تطال المئات من أعضاء حزبهم، ودون أية براهين على اقترافهم لأية مخالفات. لم يهتم أردوغان أثناء إلقاء كلمته بغياب البرلمانين الأكراد، بل نعتهم بأقذع الألفاظ: "لا يستحقون أمثال هؤلاء أن يكونوا ضمن قُبة البرلمان، فمكانهم هو الشوارع والجبال"، في إهانة لفظية ورمزية لـ"ممثلي الشعب".

أفعال السلطة الأردوغانية الحاكمة، تأتي تتويجاً لنهج مستمر منذ قُرابة خمسة أعوام، تلهث فيها الأجهزة الأمنية والقضائية التركية الموالية للرئيس أردوغان في ملاحقة وتضييق كل اشكال تحرك الفاعلين السياسيين الأكراد في البلاد، حتى أن السلطات التركية اعتقلت المئات من الناشطين الأكراد، بسبب تظاهرات نظموها عام 2014 لمناهضة تنظيم داعش، ولم تطلق سراح الرئيسان السابقان لحزب الشعوب الديمقراطية، المسجونان منذ العام 2016، دون أية محاكمة، ودون توجيه أي اتهام ذو مضمون ودلالة إليهما، خلا التهمة الجاهزة المتعلقة بـ"مؤازرة الإرهاب". ولا يعرف المرء مثلاً كيف لزعيم سياسي مثل رئيس حزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين ديمرتاش أن يكون مؤيداً للإرهاب، وهو الذي كان منافساً رئيسياً في الانتخابات الرئاسية التركية الأخيرة، التي نال فيها أصوات أكثر من خمسة ملايين ناخب!

على جنبات ذلك الحصار السياسي، ثمة ثلاثة أنواع من الضغوط الأخرى التي تمارسها الأردوغانية منذ خمسة سنوات:

فالآلة العسكرية التركية هي في أوج مناهضتها العسكرية للأكراد منذ ذلك التاريخ، ففي سوريا وإقليم كردستان وداخل تركيا وعلى الشريط الحدودي مع إيران، ثمة حروب مفتوحة يخوضها الجيش التركي، يسعى لتحطيم أية إرادة عسكرية كردية، وأحداث تحولات ديموغرافية وجغرافية في كل تلك المنطقة، لتهجير السكان الأكراد من مناطقهم التاريخية، وغالباً عبر عصابات من المرتزقة المرتبطين بها.

صارت الأردوغانية تعتبر بأن الخضوع السياسي الكردي يجب أن يحدث عبر الضغط العسكري، وأن ما لا يمكن تحقيقه عبر ذلك الضغط العسكري، يمكن تحقيقه عبر المزيد من ذلك الضغط.

كذلك فأن عجلة التنمية الاقتصادية المتراجعة في عموم تركيا، ألقت بثقلها الأكبر على كاله المواطنين الأكراد جنوب شرق البلاد، حيث توقفت المشاريع الاستثمارية القليلة التي كانت في تلك المنطقة، وتراجع الدعم الزراعي لجنوب شرق البلاد، لصالح المشاريع الاسطورية التي تتبناها الأردوغانية، مثل بناء أكبر مطار في منطقة الشرق الأوسط في اسطنبول، أو تشييد قناة بحرية في بحر أيجة، دون أن يكون لها عوائد اقتصادية إنتاجية ذات ديمومة، وعلى حساب الطبقات الأكثر فقراً وهشاشة جنوب شرق البلاد.

غدا العقل السياسي الأردوغاني يعتبر أن جميع أشكال التنمية الاقتصادية المتوازنة التي مارستها خلال عشرة سنوات أولى من الحكم، لم تأتِ لها بأصوات الناخبين الأكراد، وأن العقوبات الاقتصادية هي ما يستحقه هو الناخبون.

فوق ذلك، فأن أردوغان أوقف كل قنوات التواصل مع الحركة القومية الكردية، سواء منها مع حزب العمال الكردستاني، أو حزب الشعوب الديمقراطية والشخصيات الكردية الاعتبارية في البلاد، تلك التي كانت تجري طوال السنوات العشرة الأولى من حُكم أردوغان، وكانت تبتغي التوصل إلى حلول توافقية للمسألة الكردية، توقف عبرها دوامة العُنف، وتسمح للأكراد بنيل بعض من حقوقهم الثقافية والسياسية.

صار أردوغان يعتبر بأنه لا مسألة كردية في البلاد، وأن أية مطالبة قومية كردية هي موازاة موضوعي لمؤازرة الإرهاب، أياً كانت قوالب تلك المطالبات، سياسية كانت أو ثقافية حتى. أقفال أردوغان لشبكات التواصل السياسي والتفاوضي مع الأكراد، هو مناسبة للقول الواضح بأنه لم يعد من مسألة كردية في البلاد، وأن تلفزيوناً دعائياً باللغة الكردية TRT6 هي كامل حقوق الأكراد في البلاد.

حدثت كل تلك التحولات خلال السنوات الخمسة الأخيرة، بعدما بقيت الأردوغانية لأكثر من عشرة سنوات (2002-2015) تعتبر بأن المسألة الكردية في البلاد هي القضية الأكثر حيوية ومساً بالسلام الاجتماعي في البلاد، وأن حلها من أهم ركائز وقضايا البلاد السياسية، التي سيدافع عنها.

لكن خلال ذلك العام -2015- جرت جولتان من الانتخابات العامة في البلاد، حصل فيها أردوغان على أقل الأصوات على الاطلاق طوال مشواره السياسي، خسر بموجبها حتى أغلبيته البرلمانية، مقابل حصول حزب الشعوب الديمقراطية على مقاعد برلمانية حولته لاعباً سياسياً في توازنات البلاد.

وقتها بدأ أردوغان رحلته المثير بالتحالف مع حزب الحركة القومية المتطرفة، وزعيمها دولت بهجلي، وفقد كل أمل بالحصول على أصوات المواطنين الأكراد، واتخذ قراراً استراتيجياً بالانتقام من حزب الشعوب الديمقراطية، الذي قرر في ذلك العام رفض الانصياع لخيار أردوغان بتحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي.

لأجل كل ذلك، قررت الأردوغانية بأن حل المسألة الكردية في البلاد بالنسبة لها هو شيء واحد فسحب: الانتقام من الذين لم يقبلوا بتكريس شمولية أردوغان المطلقة.

 

 

رستم محمود، كاتب وباحث سياسي- نقلًا عن شبكة سكاي نيوز عربية

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع