يلماظ وأردوغان ومسألة تطوير تركيا

رستم محمود

رستم محمود

برحيل السياسي ورئيس الوزراء التركي السابق مسعود يلماظ قبل أسبوع واحد (1947-2020)، يعود التفكير والنقاش حول سلسلة الزعماء السياسيين الأتراك، الذين كانوا يبشرون بامتلاك رؤى ومشاريع سياسية كُبرى لبلادهم، الساعية لتغيير الهوية والدور والمكانة التي تشغلها بلادهم، داخلياً وإقليمياً، لتكون أكثر حداثة وفاعلية وحضوراً.

فبدءا من رئيس الوزراء الشهير عدنان مندريس، الذي جاء عبر أول عملية انتخاب ديمقراطية في البلاد عام 1950، وانتهى به المطاف إعداماً بعد الانقلاب الشهير الذي قاده الجنرال جمال غورسيل 1960. مروراً برئيس الوزراء السابق تورغوت أوزال، الذي جاءت وفاته بطريقة غامضة عام 1993، وصولاً لرئيس الوزراء الراحل مسعود يلماظ، الذي تزعم حزب الوطن الأم، الذي كان يتزعمه أوزال نفسه من قبل.

ومنذ وصوله للسلطة في تركيا عام 2002، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقي يتبنى خطاباً يقول بأنه ينتمي إلى تلك السلسلة من الزعماء السياسيين الأتراك، الذين كانوا يسعون لتطوير البنية التحتية والسياسية والروحية لبلادهم، إلا أن عناصر الدولة العميقة في البلاد، بالذات من قادة الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أصحاب ومُلاك الدولة التركية، كانوا يعيقون تلك الإصلاحات الجوهرية، ولم يكن مسموحاً لأحد من هؤلاء الزعماء تغير وتطوير بلادهم، وصاروا في مراحل أخرى من حيواتهم السياسية ضحايا تلك الممانعة من الدولة العميقة.

لكن سلوكيات واستراتيجيات أردوغان السياسية، خصوصاً خلال السنوات الخمسة الأخيرة، التي أصبح فيها رئيساً للجمهورية، أثبتت عدم صحة ذلك الادعاء الذي كان ينادي به، وأن مجموعة الخطوات والسياسات الداخلية والإقليمية الذي بقي ينتهجها تحت ظلال تلك النزعة التي كان يدعيها، أنما كانت فقط لتحجيم ومحق المنافسين الداخليين، وتالياً تحويل النظام السياسي الحاكم إلى نظام للحكم الفردي والعائلي، واستخدام العنف والصراعات الإقليمية لتصدير المعضلات الداخلية التي تواجهه، وطبعاً تغيير القوانين والدساتير في البلاد، للبقاء في سُدة الحكم إلى الأبد، وليس لصالح تحديث وتغيير البلاد نحو الأفضل والأكثر حيوية. ويمكن لمقارنة بسيطة بين نهج أردوغان ونظيره مسعود يلماظ أن يثبت كل تلك التفاصيل.

شكل مشروع الانتماء لمنظومة الاتحاد الأوروبي أولى تلك الأدوات التحديثية للدولة التركية. فمسعود يلماظ خلال سنوات رئاسته للوزراء المتقطعة في عقد التسعينات، كان حريصاً على اتخاذ استراتيجيات وسياسات تركية تتلهف لتحقيق "معايير كوبنهاغن" السبعة عشر، التي تُعد شرطاً أولياً ومطلقاً لإمكانية عضوية أية دولة جديدة في الاتحاد الأوروبي.

كان يلماظ يتخذ سياسات في القوانين والشفافية الحكومية وحماية البيئة وتطوير الحياة الديمقراطية، لأن تحقق تركيا تلك المعايير، وكان واثقاً بأن الانتماء التركي لتلك المنظومة هو وحده القادر على حماية استمرار بلاده كدولة مستقرة وحديثة وفاعلة، داخلياً وخارجياً، وحينما تأكد بأن سياساته تلك يمكن أن تُحدث صداماً في البلاد، فأنه لم يتخذ توجهات شعوبية، وفضل عليها خسارة الانتخابات البرلمانية نسبياً عام 1999.

على العكس من ذلك تماماً، فإن استراتيجيات أردوغان الاقتصادية والسياسية في سنوات حُكمه الأولى، والتي كان يُعلن بأنها تتقصد الاندماج في المنظومة الأوربية، أنما أثبتت فيما بعد بانها تتقصد أولاً تحقيق بعض التنمية الاقتصادية عبر استقدام الاستثمارات، وتالياً إعطاء دفع لمشروعه السياسي، وبشكل جانبي تغيير بنية القوانين التركية، فقط لتقييد النخبة العسكرية والقضائية الحاكمة للبلاد، لكن للحلول محلها.

بعد سنوات قليلة من حكمه، أثبت أردوغان بأن مشروعه الأوربي كان مجرد استخدام لتأبيد حُكمه، وليس لتطوير بلاده. فصراعات الهوية ونشر الكراهية ونزعة التهشيم الأمني التي يخوضها أردوغان منذ سنوات ضد الاتحاد الأوروبي، يثبت بأنه لم يكن حقيقياً وصادقاً في ادعاءات التحديث التي كان يعد بها.

على المستوى الداخلي، فإن يلماظ كان سليلاً حقيقياً للساسة الأتراك الليبراليين، الذين كانوا إيديولوجياً ينتمون إلى قوى يمين الوسط القومية المعتدلة، لكنها اقتصادياً وإدارياً، وسياسياً بشكل نسبي، كانوا يتخذون سياسات ليبرالية، تتقصد تعزيز الحريات الإعلامية والمدنية، وتكريس استقلال القضاء وحرية ومساواة والوصول العادل إلى الموارد وقوة اقتصاد الدولة. وكان يرى بأن تلك الحياة الداخلية هي المصدر الجوهري لتقوية البلاد وقدرته على الحفاظ السلام الاجتماعي، وعلى توازن معقول بين السلطة والقواعد الاجتماعية التركية، التي كانت صراعاتها تولد عادة حروباً أهلية مقنعة في البلاد.

الشيء الذي فعله أردوغان هو بالضبط عكس ذلك تماماً، فقد حاول بحزم تحطيم تلك الثلاثية الداخلية لصالح هيمنته المطلقة على تفاصيل البلاد بشكل تام.

فالمؤسسة القضائية التركية صارت فاقدة لكل مصداقة واستقلالية. فجميع ملفات الفساد التي يُتهم بها أردوغان والنخبة العائلية والحزبية المحيطة به تبدو محمية تماماً من أية ملاحقة، على العكس تاماً فأن قوى المعارضة يتم ملاحقتها بشكل دائم، وكأن المؤسسة القضائية هي فرع لحزب العدالة والتنمية وليس أكثر.

كذلك فأن تركيا صارت من أشنع بقاع العالم لقمع الحريات الإعلامية والمدنية، فالنخبة الاقتصادية المحيطة بأردوغان استولت على معظم المؤسسات الإعلامية المعارضة والمستقلة، وبضغوط سياسية وقضائية وعصاباتية لتلك المؤسسات التي لا تستسلم.

على أن الأساس هو تضحية أردوغان بكافة المكتسبات الاقتصادية التي حققها خلال سنوات حكم الأولى، وإغراق البلاد في أزمات من المديونية والتضخم وهروب الاستثمارات، وذلك فقط لامتناعه عن تقديم مستويات عادلة ومتساوية للمستثمرين والقوى الاقتصادية، والسعي لاحتكار المحيطين به كل أشكال الفاعلية الاقتصادية.

 

رستم محمود- كاتب وباحث سياسي، نقلًا عن شبكة سكاي نيوز عربية

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع