التغيير داخل الخرائط من السيء إلى الأسوأ

رفيق خوري

رفيق خوري

في بدايات العقد الأول من القرن الـ21، كانت أحلام التغيير كبيرة عبر ثورات ما سمي بـ"الربيع العربي"، وفي بدايات العقد الثاني من القرن وصلت كوابيس "التعتير" إلى قمة الخطورة، فما قاد إليه "الربيع" من فشل وانحدار و"شتاء إرهابي" رافقه "نجاح" القوى الإقليمية والدولية والتيارات الإرهابية المتطرفة والمنظمات غير الدولتية في ضمان مواقع لها على الخرائط، والعالم العربي اليوم هو أربعة عوالم، كما جاء في كتاب ديفيد أوتاواي ومارينا أوتاواي، "قصة أربعة عوالم: المنطقة العربية بعد الانتفاضات": لا دول، دولة سلطوية، دول غنية صاعدة، ودول متجهة نحو أفريقيا وأوروبا.

وليس خارج المألوف أن تتغول القوى الإقليمية وتتدخل القوى الدولية في أحداث العالم العربي، ففي روسيا، كما يروي بارنس كار في كتاب "مؤامرة لينين: القصة غير المعروفة لحرب أميركا على روسيا"، تدخلت أميركا وبريطانيا وفرنسا عسكرياً عام 1918 لدعم الجيش الأبيض ضد الجيش الأحمر، وخسرت نحو 1000 جندي، ولم يكن الهدف إسقاط الثورة البلشفية، وإنما لمنع إغلاق الجبهة الثانية مع ألمانيا، ولذلك، جرت محاولة لاغتيال لينين الذي تعهّد إنهاء الحرب مع ألمانيا في معاهدة "برست ليتوفسك"، ومحاولة أخرى لرشوة البلشفيك من أجل إكمال الحرب، فكيف الحال في العالم العربي، حيث تحولت الثورات حروباً أهلية هي المغناطيس الجاذب للتدخلات الخارجية ضمن خطط الصراع الجيو سياسي؟

صحيح أن حدود الدول العربية لم تتبدل رسمياً على الرغم من حدة الصراع الجيو سياسي في المنطقة وعليها، لكن الصحيح أيضاً أن الحدود أزيلت عملياً في أكثر من مكان بقوة الأمر الواقع، انقلاب الحوثيين بدعم إيراني على الثورة والشرعية في اليمن أدى عملياً إلى تجاوز الحدود السعودية بالاعتداء على المطارات والمدنيين في المملكة جواً عبر الصواريخ والمسيّرات المفخخة، كما قاد إلى عودة الحديث عن الحدود بين الشمال والجنوب في اليمن، حدود ليبيا مفتوحة على أكثر من جبهة، الميليشيات التابعة لإيران في العراق تسيطر على جانبي الحدود مع سوريا، وبحسب دراسة للباحث الفرنسي فابريس بالانش، فإن الجيش السوري يسيطر على 15 في المئة من الحدود، و"حزب الله" يسيطر على الحدود مع لبنان، تركيا تسيطر مباشرة وعبر الميليشيات التابعة لها على جزء كبير من الحدود الشمالية مع سوريا، والفصائل المدعومة من قاعدة حميميم الروسية تسيطر على معظم الحدود الجنوبية مع الأردن.

 

أما التغيير من السيء إلى الأسوأ، فإنه ما جرى ويجري داخل البلدان، ليبيا بعد 10 سنين على الثورة التي أطاحت القذافي، أرض ميليشيات ومرتزقة وأكثر من حكومة وجيش، ولا أحد يجهل المصاعب على طريق التسوية المؤقتة الأخيرة برعاية الأمم المتحدة، وفي طليعتها رفض تركيا سحب قواتها والمرتزقة الذين جاءت بهم، سوريا موزعة بين 65 في المئة من الأرض تحت سلطة النظام وروسيا وإيران، و25 في المئة تحت سلطة "قوات سوريا الديمقراطية" والقوات الأميركية الداعمة لها، و10 في المئة تحت سلطة تركيا والميليشيات التي ترعاها وبينها جبهة النصرة، تنظيم "داعش" في البادية السورية وداخل العراق، مصر أنقذت نفسها من حكم "الإخوان المسلمين" بثورة ثانية وقوة الجيش والوطنية المصرية، العراق تتحكم به ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران وتحول دون قيام دولة قوية، تونس في مأزق دستوري، بعدما كانت الاستثناء من القاعدة عبر "ثورة الياسمين" الناجحة، ولا شيء يوحي إلى أنها قادرة على التخلص من سطوة "الإخوان المسلمين" أي حركة "النهضة"، ما دامت الانقسامات عميقة بين القوى الديمقراطية، الجزائر شهدت تغييراً شكلياً وبقيت السلطة الفعلية في يد الجيش.

 

وحده الخليج بقيادة السعودية يتقدم عمرانياً وعلمياً ويتولى بالشراكة مع مصر والأردن والمغرب الدور القيادي العربي.

 

لكن اللعبة لم تنتهِ. فلا التدخل التركي في سوريا والعراق يمكن أن يدوم. ولا التوظيف الإيراني للميليشيات في اليمن والعراق وسوريا ولبنان يمكن أن يجعل هذه البلدان في النهاية جزءاً من المشروع الإمبراطوري الإيراني، وإن نجح مؤقتاً. ولا إسرائيل تستطيع التوسع بعد الآن، أو الهرب من انسحاب الاحتلال لإقامة دولة فلسطينية.

 

أما أميركا، فإن قواعدها العسكرية في المنطقة ثابتة. وأما روسيا التي استعادت دورها العالمي عبر التدخل العسكري في سوريا وأقامت قاعدتين كبيرتين فيها، فإنها مرتاحة وقلقة في آن، وتحتاج إلى تسوية سياسية لتكريس نفوذها.

 

 

الكاتب الصحفي رفيق خوري- نقلًا عن إندبندنت عربية

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع