أردوغان و«الإخوان».. تحالف الذئاب

أردوغان والإخوان

أردوغان والإخوان

ألمانيا- سنان مارت

بعد ثورة 25 يناير في مصر، كان الإعلاميون والصحفيون يتهافتون فيما بينهم، لعقد لقاءات وحوارات تليفزيونية وصحفية مع أبرز قيادات جماعة «الإخوان المسلمون» ومع من يتصدرون المشهد السياسي في مصر، علي شاكلة خيرت الشاطر، عصام العريان، محمد مرسي، عمرو دراج، محمود عزت، محمد البلتاجي، محمود غزلان، سعد الكتاتني، وغيرهم، إضافة إلى بعض الأسماء المعتدلة، أمثال عبد المنعم أبو الفتوح، محمد حبيب، اللذان انشقا عن الجماعة، وسلكا سوياً مسلكاً سياسياً مستقلاً، نتيجة عدم انتخابهم من قبل مكتب الإرشاد التابع لحزب «الحرية والعدالة»؛ حيث مجرد عقد لقاء معهما كان بمثابة سبق جدير بالتقصي والمتابعة.

 

وفي مكتب الإخوان، المطل على ضفاف النيل في الجيزة؛ كنت قد أجريت لقاءًا قبل الثورة مع محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، الذي أقبل على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الجماعة بتقديمه استقالته في 2010، ليصبح أول مرشداً عاماً للجماعة يتقاعد من تلقاء نفسه.

 

وعلى الرغم من أن المرشد السابق، كان يتهمني بين الفينة والأخري بالعمالة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، وذلك بسبب الأسئلة التي كنت أطرحها عليه، إلا أنه قدّم لي بعض التلميحات الجيدة، التي يمكنني من خلالها التعرف على الجماعة.

 

وبعد الانتهاء من المقابلة؛ فوجئت بمرشد الجماعة السابق، يبلغني نصاً: "إن علاقاتنا مع تركيا والحكومة التركية ضعيفة للغاية، لدرجة أننا لا نعرف أية اسم في الحكومة. نحن علي اتصال مباشر معه. هل يمكنك أن تعطينا بعض أرقام الاتصال الخاصة بعدد من الأسماء المؤثرة في الحكومة التركية؟".

 

ومع ظهور قطر فيما بعد، وتطلعها للعب دوراً محورياً علي الساحة الدولية لا يتناسب مع حجمها الديموغرافي؛ أصبحت علاقات تركيا والإخوان المسلمين علاقات متينة ومتجذرة كـــتجذر الظفر في اللحم، لدرجة أن تلك العلاقات التي كان يديرها ياسين أقطاي، مسؤول الشئون الخارجية السابق بحزب العدالة والتنمية التركي، كانت تتم في كثير من الأحيان دون علم من السفارة التركية بالقاهرة «مفاوضات ومباحثات غير رسمية».

 

وقد بدأ «العصر الذهبي» في علاقات تركيا والإخوان المسلمين مع قيام ثورات الربيع العربي بمنطقة الشرق الأوسط بأكملها، ولم يلبث أردوغان حينها أن أصبح نجماً في دعاية الإخوان في أغلب منطقة الشرق الأوسط تقريبًا؛ من تونس إلي سوريا، ومن السودان حتي فلسطين، حيث اُستقبل من قبل جماعة الإخوان فى مصر عام 2011 استقبالاً حافلاً، وسط عشرات الآلاف من مؤيديهم.

 

وعندما انتهى ذلك العصر الذهبي بالإطاحة بمحمد مرسي عام 2013؛ ظل أردوغان لفترة طويلة يثرثر في خطاباته السياسية بعبارات عبثية لا فائدة منها، حول اعترافه بنظام محمد مرسي كسلطة شرعية لمصر، وليس نظام عبد الفتاح السيسي.

 

وكان أردوغان دائماً ما يشير بإشارات رابعة العدوية في كثير من التجمعات الشعبية، رغبة منه في استغلال كل ذلك لخدمة موقفه السياسي داخل تركيا.

 

وقد فتحت تركيا أبوابها أمام العديد من قادة الإخوان، الذين فروا من مصر وتم ترحيلهم من قطر، وبذلك تحولت تركيا التي لوثتها سياسات أردوغان بمثابة قاعدة إعلامية لجماعة الإخوان المسلمين، ونشر أكاذيبهم وسمومهم ضد الدولة المصرية.

 

وبالفعل، قامت العديد من القنوات التلفزيونية والصحف وحسابات مواقع التواصل الإجتماعي فى بث بذاءاتها وأنشطتها المعادية لمصر من قلب تركيا تحت رعاية أردوغان؛ فهناك دائماً من يتناوب علي حماية تلك المؤسسات الإعلامية، سواء كانت من شرطته أو أجهزة المخابرات الموالية له.

 

أردوغان والبشير

وعلى الرغم من فقدان أردوغان لكل آماله تجاه تحقيق نواياه الخبيثة في مصر، والمتزامنة مع زوال نظام الإخوان ومحمد مرسي؛ إلا أنه لا يتوانى بين الحين والآخر على الإبقاء علي نفوذه في بلدان عربية أخرى، تحت ستار سياسي، تمثله جماعة الإخوان المسلمين، والتى تأتي فى مقدمتها ليبيا والسودان. 

ويعتبر الديكتاتور السودانى المخلوع عمر حسن البشير، الذى لم يكن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، خير مثال على ذلك، حيث أصبح أردوغان فى وقت قصير، أقرب صديق للسودان، وبدعم من قطر وأعضاء تلك الجماعة، التي زادت أنشطتها في البلاد في الآونة الأخيرة.

 

وقد أظهر التقارب التركى السودانى، رغبة أردوغان في تحويل جزيرة سواكن السودانية إلي قاعدة عسكرية تركية في المنطقة، والتي طالب بتحويلها من قبل لمنتجع سياحي باستثمارات تركية، إلا أن تلك الرغبة أثارت حفيظة العديد من الدول العربية، ولا سيما مصر.

 

ومن وقت لآخر، دائماً ما ينتهز أردوغان كل الفرص للتنديد بسياسات الدول الغربية تجاه سوريا ـ لاسيما سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ـ متسائلاً عن أسباب الوجود الأمريكي في سوريا.

 

ويبدو أن أردوغان المتناقض لا يدري أن كثير من الدول العربية توجه له نفس السؤال، ولكن بطريقة أخري: «ماذا تفعل تركيا في ليبيا؟».

 

ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين التي لها طموحات عالمية، أبعد ما تكون عن فكرة الوطن والمصالحة، فعندما يجمتعون مع أردوغان صاحب التوجهات البراغماتية الخسيسة، فإنهما ينتجان هيكل سياسي لا يمكن التنبؤ بأهدافه وطبيعة مطامعه.

 

أردوغان زمان والآن

وبالعودة إلى البدايات؛ عندما وصل أردوغان إلى السلطة في عام 2002، كان قد حظي بتقدير ودعم كبيرين من جميع أنحاء العالم، وكانت كل أهدافه حينها تتمحور حول جعل تركيا دولة عصرية حديثة من خلال إكسابها الطابع الأوروبي بصورة أكبر مما كانت عليه مع مزيداً من الديمقراطية وإرساء دولة الحق والقانون والعدالة، وقد اتخذ خطوات مهمة في هذا الصدد خلال السنوات الأولى من حكمه مستوفياً مطالب الاتحاد الأوروبي، وخاصة فيما يتعلق بالإرهاب وحقوق الإنسان.

 

علاوة علي ذلك؛ حاول أردوغان جاهداً تحقيق مصالحة مجتمعية، لحل المشكلة الكردي، ونتيجة لذلك؛ تلقي دعما كبيرا من جميع شرائح المجتمع لاسيما العلمانية والدينية والكمالية والكردية والعلوية والليبرالية.

 

ومع تطور تركيا المستمر، تحولت بين عشية وضحاها إلي نموذج يحتذي به بين دول الشرق الأوسط، ثم بدأ أردوغان يسلك مسلكًا آخر مع قيام ثورات الربيع العربي، التي زعزعت أمن واستقرار المنطقة؛ وبالفعل بدأ في التراجع عن جميع الخطوات الديمقراطية التي قام بها خلال سنوات حكمه الأولي.

 

وخلال عمليات 17-25 ديسمبر 2013، ظهرت عصابة كبيرة داخل أركان ومفاصل الدولة التركية، تقوم بأعمال السرقة والفساد، تضم أردوغان وعائلته ووزراءه وبيروقراطيون ورجال أعمال؛ حتي التسجيلات الصوتية لأردوغان المتعلقة بإرساله صفقات أسلحة إلى جماعة بوكو حرام الإرهابية  في نيجيريا، تم نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 «هل كان لوجود أردوغان في خندق واحد مع جماعة الإخوان المسلمين خلال ما تسمي بثورات الربيع العربي دورا في ذلك التغيير الذي طرأ علي توجهاته وأفكاره السياسية؟».

 

قبل الإجابة، يتعين علينا أن نكون علي دراية بوجود بعض الاختلافات الجوهرية بين أردوغان والإخوان المسلمين، فخلال جميع اللقاءات والمقابلات التي أجرتها وسائل الإعلام المختلفة مع كل قادة الإخوان المسلمين تقريباً في أعقاب الربيع العربي، لم تكن تروقهم جميعاً فكرة إمكانية أن تكون تركيا زعيمة للعالم الإسلامي؛ كما كانوا يصرحون دوماً، وذلك من خلال رفضهم القاطع لسلوكيات ونوايا تركيا وأردوغان في هذا الاتجاه.

 

وربما النقطة الأهم والأبرز في كل ذلك، إن جماعة الإخوان المسلمين لديها إستراتيجية إسلامية عالمية لا تغطي فقط الجغرافيا الإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب، ولكنها تغطي العالم أجمع من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوروبا والصين، فهدف الجماعة هو تحقيق تلك الاستراتيجية في التغيير التي رسمها سيد قطب  «التغيير من أعلى لأسفل»؛ لهذا السبب يمكننا القول أن أحلامهم هذه البعيدة كل البعد عن الواقع والمنطق.

 

وبالنسبة لأردوغان، فقد كان الإسلام وسيلة لتحقيق هدفه تمامًا، مثل القومية والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويتضح هذا بصورة جلية من خلال تصريحه خلال سنوات رئاسته لبلدية إسطنبول، حينما قال: «أرتدي ثوب الكاهن إذا لزم الأمر».

 

أردوغان المتناقض

 إن سعي أردوغان وراء أهدافه وطموحاته الخبيثة دون ان يعبأ في ذلك بفعل الكثير من المتناقضات، أصبح أمراً واضحاً للعيان؛ فقد تجده ذات يوم ممسكاً المصحف الشريف بيديه خلال أحد التجمعات الجماهيرية الحاشدة لأنصاره، يتلو منه أيات من القرآن الكريم، وتجده في يوم أخر ـ وبارتياح مثير للدهشة والتساؤلات ـ لا يتواني عن عقد اجتماعات سرية علي طاولة واحدة مع جماعات الضعط «اللوبي» اليهودية في الولايات المتحدة.

 

ليس غريباً علي أردوغان المستغل، أن يكون في يوم من الأيام يداً بيد مع الأخوان المسلمين في تونس والسودان ومصر وليبيا مؤخراً؛ ثم تجده بين عشية وضحاها وبدم بارد، يقوم بترحيل جميع قادة الإخوان ومنتسبيهم المقيمين في تركيا إلي بلدانهم الأصلية، كما هو الحال مع عضو جماعة الإخوان المسلمين محمد عبد الحفيظ حسين، الذي سلمه إلي مصر خلال يناير الماضي.

 

كل الوقائع الأخيرة تؤكد شعور أعضاء جماعة الإخوان بالقلق تجاه أردوغان وفكرة تخليه عنهم في أي وقت؛ لذا فهم يحاولون دائما اللجوء والاستعانة بالدول الغربية وخاصة أوروبا.

 

نتيجة لذلك كله؛ يتحتم على الجميع الاقتناع بأنه طالما ظلت جماعة الإخوان المسلمين تخدم قضية أردوغان، فإن العلاقات بينهما مستمرة، لكن في الوقت الذي تنتهي فيه تلك المصلحة، فإن أردوغان لن يتردد في إعلان تلك الجماعة بين ليلة وضحاها كجماعة إرهابية، والعكس يعد أمراً ممكناً كذلك؛ ففي اللحظة التي تسيطر فيها جماعة الإخوان المسلمين على السلطة في بلد ما أو أكثر، فإنها لن تتردد في مراجعة علاقاتها مع أردوغان.

 

في حقيقة الأمر؛ إن تركيا يمكنها أن تكون أكثر فاعلية في منطقة الشرق الأوسط من خلال «استراتيجية القوة الناعمة»، التي سارت علي نهجها مسبقاً؛ وبدلاً من إدارة النزاعات والصراعات في ليبيا والسودان وفلسطين ودول أخرى، يمكن أن تلعب دوراً أكبر في إرساء السلام باستخدام قوتها الاقتصادية.

 

وأخيراً؛ يمكننا القول، أن تركيا والإخوان المسلمين أو بالأحري أردوغان والإخوان المسلمين، كلاهما يحمل الآخر، فسقوط أحدهما يعني بالتبعية سقوط الآخر، ودخولهما سوياً في طي النسيان.. والسؤال الحقيقي والمُحير هو من منهما يدير الآخر؟

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع