مصير تحرير طرابلس وإحلال السلام في ليبيا.. سهولة الاتفاق وصعوبة الاستمرار

حفتر والسراج

حفتر والسراج

إن مقترح «وقف إطلاق النار» الذي تناوله الزعيم الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة إلي تركيا في 8 يناير الفارط قد دخل إلي حيز التنفيذ مؤخرًا في جميع أنحاء ليبيا في أعقاب موافقة قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر عليه قبل دقائق من انقضاء المهلة المحددة لذلك. ودعونا نوضح هنا أنه ـ فيما بعد ـ سوف يتفرغ الرأي العام العالمي لمتابعة أمور أخري حول ما إذا كان الطرفان سيمتثلان مستقبلاً لتنفيذ بنود ذلك المقترح الذي ينص علي وقف إطلاق النار، وكذلك أيضًا الجهود المبذولة لإيجاد حل للأزمة.

وكانت وكالة الأنباء الرسمية في تركيا «وكالة أنباء الأناضول» قد أعلنت في وقت متأخر الليلة الماضية أن اتفاقية وقف إطلاق النار التي اقترحتها كل من روسيا وتركيا قد جرت الموافقة عليها من طرفي الأزمة الليبية المتمثلين في قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق الليبية المتمركزة في طرابلس فايز السراج.  

لقد أخذت التطورات العسكرية والدبلوماسية في ليبيا منحني متسارع في الآونة الأخيرة؛ ففي 2 يناير الماضي وافق مجلس الأمة التركي الكبير ( مجلس النواب التركي ) علي مقترح إرسال قوات تركية إلي ليبيا لدعم حليفهم فايز السراج. لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك فحسب حيث سيطرت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في الآونة الأخيرة علي مدينة سرت ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة.

وعلي صعيد آخر؛ تريد ألمانيا عقد مؤتمر شامل في برلين هذا الشهر لإيجاد حل للأزمة الليبية. وتحقيقًا لهذه الغاية، قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي عقدت اجتماعات رفيعة المستوى مع العديد من الأطراف المعنية، بزيارة الزعيم الروسي فلاديمير بوتين في روسيا، التي أصبحت ـ بين عشية وضحاها ـ البلد الأكثر انغماسًا وفاعلية في الأزمة الليبية تمامًا كما كان الحال في سوريا. وبعد زيارة ميركل مباشرةً، أجري أردوغان بالأمس اتصالاً هاتفيًا بالرئيس الروسي بوتين.

علاوة علي ذلك؛ أجرى بوتين محادثات هاتفية أمس مع زعماء الإمارات العربية المتحدة وقطر، كما كان قد أجري اتصالاَ هاتفيًا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الجمعة الماضية. وبعد تلك المحادثات الدبلوماسية، أعرب بوتين عن أمله في التوصل إلي وقف لإطلاق النار في ليبيا في غضون ساعات قليلة على النحو المتفق عليه.

وكانت إيطاليا، التي تدعم محاولات وقف إطلاق النار بصحبة كل من روسيا وألمانيا، قد استضافت فايز السراج في روما بالأمس بعد أيام قليلة من زيارة المشير خليفة حفتر لروما يوم الأربعاء الماضي.؛ لذا كانت أنظار العالم تتجه نحو احتمالية حدوث هدنة بين طرفي الأزمة. لكن قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر فاجأ الجميع بإعلانه أنه لن يقبل الهدنة في ظل الشروط والظروف الحالية.

وفي ظل تسارع الجهود والمراسلات الدبلوماسية، زار رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل تركيا والتقى بأردوغان.

من الآن فصاعدًا، ستكون كل الأنظار مسلطة بشكل خاص علي إيطاليا وألمانيا؛ لأن كلا الدولتين لا يدعمان أيًا من أطراف الأزمة بشكل فاعل ونشط. حيث تعتزم إيطاليا إرسال المزيد من القوات تحت مظلة الأمم المتحدة إضافة إلى 300 جندي موجودين ـ بالفعل ـ في ليبيا حتى يسري وقف إطلاق النار. كما تقول ألمانيا إنه من الممكن التوصل إلي تسوية وإيجاد حل مناسب للأزمة في مؤتمر برلين حيث سيجري تمثيل جميع الأطراف على أعلى المستويات.

وهنا علينا أن نشير أنه في ليبيا، حيث توجد العديد من القبائل والميليشيات والجهات الدولية الفاعلة في صراع استخدام القوة بغية الوصول إلي السلطة، يبدو التوصل إلي وقف نهائي لإطلاق النار أمرًا صعبًا إلا أنه ليس مستحيلاً. في هذه الحالة يقع الدور الأكبر ـ دون أدنى شك ـ علي تركيا؛ فإذا تخلت تركيا وقادتها عن سياساتهم المؤيدة للحرب وسعوا نحو تبني نهج تصالحي بين الأطراف الليبية المتنازعة، فمن الممكن حينها التوصل إلي السلام بسرعة أكبر في تلك الدولة التي مزقتها نيران الحرب الأهلية.

ومؤخرًا؛ أعلنت تركيا بشكل رسمي أنها أرسلت 35 عسكريًا إلي ليبيا، هذا بالإضافة بالطبع إلي مئات من المقاتلين السوريين المتشددين الموالين لها حيث تدور مزاعم حالية حول نشر تركيا إياهم في ذلك البلد من أجل دعم حكومة طرابلس التي يترأسها حليفهم فايز السراج. وهنا نؤكد أن تركيا لا تعترف رسميًا بإرسال أولئك المتشددين الموالين لها شأنها في ذلك شأن روسيا التي تدافع عن أهدافها في ليبيا من خلال مجموعات فاغنر الروسية شبه العسكرية دون أن تعترف بذلك بشكل رسمي.

لكن الأبله التركي أردوغان اعترف بشكل غير مباشر بوجود أولئلك المتشددين الإرهابيين الموالين له في ليبيا عندما حل ضيفًا الأسبوع الماضي علي أحد البرامج التليفزيونية قائلاً : " سيكون لدينا الآن فرق مختلفة هناك كقوة قتالية. هذه الفرق ليست من جنودنا. وسوف تعمل تلك الفرق القتالية مع باقي الفرق المختلفة هناك، لكن مهمة كبار جنودنا سوف تكمن في الاضطلاع بتنسيق العمليات هناك ".

أما بوتين، فقد أنكر ذلك خلال لقائه مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمس حيث أفاد مصرحًا : " إذا كان هناك مواطنون روس في ليبيا، فهذا لا يعني أنهم يمثلون روسيا أو تمولهم الحكومة الروسية. يمكن للجنود المرتزقة المشاركة في أي حرب ".

لقد أصبح الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أكثر قوة في مواجهة حكومة طرابلس والميليشيات التابعة لها بعد أن بدأ المرتزقة الروس أنشطتهم القتالية في ليبيا منذ شهر اكتوبر الماضي. كما ذكر الكثير من المهتمين بالشأن الليبي أن هذه القوات لعبت دورًا هامًا في تقديم الدعم اللازم للفوات المسلحة الليبية من أجل السيطرة علي مدينة سرت ذات الأهمية الاستراتيجية، وكذلك الدخول والتوغل في ضواحي طرابلس.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن روسيا لديها أوراق ضغط ونفوذ كبيرة يمكن أن تمارسها على حفتر لإقناعه بقبول اتفاقية وقف إطلاق النار. ومع ذلك؛ فإن حقيقة أن روسيا أصبحت الآن هي الطرف الرئيس الفاعل في ليبيا، كما هو الحال في سوريا، لازلنا ـ حتي وقتنا هذا ـ لا نعرف مدي صداها عند الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة لذلك الاحمق العثمانلي أردوغان، فهو يري فكرة الزج باسم تركيا في الأزمة الليبية بغية أن تكون أحد الجهات الفاعلة الرئيسة رفقة روسيا ـ دون أن يكون لها ناقة ولا جمل ـ  باعتبارها نجاحًا كبيرًا له ولسياساته الخارجية. ومع ذلك، يظل من غير المعروف مسألة بقاء تركيا في ليبيا ـ مثلما فعلت من قبل في سوريا ـ من عدمه؛ فالظروف في ليبيا تظل مختلفة اختلافًا كليًا عن سوريا إذا ما نظرنا إليها من وجهة النظر التركية العاقلة. فــ ليبيا ليست من دول الجوار بالنسبة لتركيا، كما ان التطورات التي تشهدها تلك الدولة ليست لها أي تأثيرات مباشرة علي تركيا.

من ناحية أخري ايضًا؛ بينما لا يشتمل الملف السوري علي العديد من الجهات الفاعلة، إلا أن ليبيا تشهد صراع نفوذ وسيطرة بين أكثر من عشر دول. وخصوصًا مصر، جارة ليبيا من الناحية الشرقية، تعارض بشدة أن تكون تركيا طرفًا فاعلاً في المنطقة حيث أن علاقات النظام التركي الوثيقة بــ «جماعة الإخوان المسلمين» الإرهابية ـ كما تصنفها السلطات المصرية ـ تسبب إزعاجًا كبيرًا للقاهرة. ويذكر الباحثون السياسيون أن النظام المصري ليس لديه أي من مانع من الجلوس علي طاولة المفاوضات ـ بأريحية تامة ـ مع أردوغان ونظامه شريطة قطع العلاقات مع تلك الجماعة المتطرفة ووقف كل أشكال الدعم المقدم لها. 

إن أردوغان يري ليبيا بوصفها دولة استراتيجية للغاية قد تمكنه من الإبقاء علي نفوذه السياسي في منطقة الشرق الأوسط، كما يدرك ـ في المقابل ـ جيدًا أن أي هزيمة لحلفائه في ذلك البلد قد تجلب معها خسائر فجة له ولنظامه في العديد من المناطق مثل قطر والصومال؛ وبالأخص في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وفي الختام؛ دعونا نؤكد أن الــ 48 ساعة القادمة ستكون حاسمة لقياس مدي الترام الأطراف المتنازعة في ليبيا باتفاق وقف إطلاق النار المنصوص عليه. ورغم أن كلا الجانبين يتهمان بعضهما البعض بخرق الهدنة، إلا أنه لم تحدث حتي الآن أي هجمات خطيرة من أي من الجانبين.

وهنا نبرز أهم التساؤلات التي من الممكن أن تقف حائلاً أمام سريان وقف إطلاق النار، وتعوق عملية التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. وهي علي النحو التالي:

  • كيف سيتقاسم كل من حفتر والسراج السلطة في ليبيا؟
  • هل ستحافظ جماعة الإخوان المسلمين علي وجودها القوي في حكومة طرابلس؟
  • ماذا سيكون الموقف بالنسبة لدول مثل مصر والإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر؟
  • كيف سيجري تقاسم موارد البلاد النفطية؟
  • هناك عشرات الميليشيات التي تمارس أنشطتها في البلاد. فهل من الممكن ضمان تخليهم عن سلاحهم؟
  • ما مصير المرتزقة الذين أرسلتهم بعض الدول، ولا سيما تركيا وروسيا؟
  • هل سيجري إلغاء الاتفاقية البحرية ـ الأمنية « اتفاقية ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني » الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية التي يترأسها حليفهم فايز السراج؟
  • ما نوع الآلية التي سيجري تنفيذها لضمان التزام الأطراف المعنية بوقف إطلاق النار؟
  • هل ستتوقف تركيا وقطر عن دعمهم إلي حكومة طرابلس؟
  • هل ستتمكن أنقرة من تحصيل أكثر من 20 مليار دولار من الأموال من ليبيا تدعي أنها مستحقة عليها؟

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع