عزلة أردوغان في ليبيا تدفعه للهرب إلى الجزائر.. وتبون يرفض وجوده الإرهابي

الرئيس الجزائري

الرئيس الجزائري

قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بزيارة مهمة إلى الجزائر خلال يومي 26 و27 يناير الحالي، تبدو منذ الوهلة الأولى أنها تتمحور حول الأزمة الليبية. وعلى الرغم من أن العلاقات الاقتصادية بدت وكأنها تحتل مكان الصدارة خلال تلك الزيارة التي استمرت يومين، إلا أن ليبيا كانت بلا شك القضية الأكثر أهمية.

كان أردوغان قد صرح خلال زيارته المفاجئة إلى تونس يوم 25 ديسمبر قائلاً: «نحن في تركيا نصر على مشاركة تونس برفقة الجزائر وقطر في مؤتمر برلين»؛ وهذا بدوره أثار العديد من التساؤلات لدى الرأي العام الداخلي في تركيا، والعالمي بأسره، حول الأسباب التي تقف وراء هذا القدر من الأهمية الذي يمنحه أردوغان لكل من تونس والجزائر.

 

مزاعم خبيثة يرددها إعلام أردوغان حول علاقات الجزائر العربية

عندما ننظر إلى الأخبار والتحليلات المنشورة في وسائل الإعلام التركية المقربة من أردوغان، تتجلى لدينا بمرور الوقت الأسباب الكامنة وراء ذلك. وتلك بعض المزاعم الخبيثة التي يرددها إعلام الرئيس التركي:

* تقف الجزائر في خندق معارض لمصر باعتبارها دولة رائدة في جامعة الدول العربية؛ فهناك منافسة كبيرة بين البلدين.

  • * وبالمثل، فإن استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر منظمة التعاون الإسلامي وظهورها في صورة ومظهر الدولة الرائدة والزعيمة للعالم الإسلامي لم تلق استحسانًا كبيرًا في الجزائر.
  •  * الجزائر هي أكثر دولة لها علاقات وثيقة مع إيران في شمال إفريقيا.
  • * إن مسألة أن تكون مصر ذات قوة فاعلة في ليبيا يتعارض بدوره مع المصالح الجزائرية. ولهذا السبب؛ فإن الجزائر تدعم على استحياء حكومة فايز السراج، المتمركزة في طرابلس، ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر المدعوم من مصر.

 

عزلة أردوغان تدفعه للهرولة إلى الجزائر

ومع ذلك، هناك نقطة مهمة لم تذكرها تلك المنابر الإعلامية التي يسيطر عليها أردوغان؛ ألا وهي خوف الرئيس التركي من بقائه وحيدًا بمفرده على طاولة الأزمة الليبية.

إن الجزائر لا تزال تبحث عن هويتها وبوصلتها السياسية الجديدة التي سوف تسير على نهجها مع الرئيس المنتخب حديثًا عبد المجيد تبون، وذلك في أعقاب فترة عبد العزير بوتفليقة، الرئيس الجزائري السابق الذي انسحب من الساحة السياسية الجزائرية في شهر إبريل من العام المنصرم، بعد حكم البلاد لمدة عشرين عامًا، جراء مظاهرات شعبية حاشدة اعتراضًا على ترشحه لفترة رئاسية جديدة، وكذلك وفاة رئيس الأركان العامة الجزائري أحمد قايد صالح في ديسمبر الماضي.

 

سلطة «تبون» تبحث عن تثبيت أقدامها بالدخول في الملف الليبي

وفي ذلك البلد، حيث لم يغادر المتظاهرون الثائرون ساحات الشوارع حتى الآن، يجب على الإدارة السياسية الجديدة أولًا إثبات نضجها وحنكتها في التعامل مع القضايا المثارة على الساحة الدولية. وهذا يقود إدارة عبدالمجيد تبون إلى اتباع سياسة خارجية نشطة للغاية خاصة فيما يتعلق بالمسألة الليبية.

لقد سعت الجزائر، التي توارت عن الأنظار فيما يتعلق بالدبلوماسية الخارجية، مفضلةً الانغلاق على نفسها نوعًا ما بعد فترة الحرب الأهلية الداخلية، وعدم الاستقرار السياسي الذي عانت منه في التسعينيات، إلى اتباع سياسة محايدة لفترة طويلة تجاه التمردات والثورات الداخلية في جارتها ليبيا. ورغم أن الجزائر منحت حق اللجوء السياسي لأولاد وعائلة الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي، بعد فترة وجيزة من بدء الأحداث والاحتجاجات في ليبيا، إلا أنها سعت جاهدة إلى عدم الانخراط في النزاعات والمباحثات الداخلية التي استمرت في المرحلة التالية.

 

الجزائر لا تقبل بوجود إرهابي أردوغان على حدودها

لكن التطورات التي شهدتها الأزمة الليبية، التي سرعان ما تداخلت فيها العديد من الأطراف الدولية الفاعلة، وإرسال تركيا قوات عسكرية ومتشددين إرهابيين جاءت بهم من سوريا بشكل فج إلى الداخل الليبي، وغيرها من العوامل التي تضافرت لتسبب انزعاجًا كبيرًا لدى الإدارة الجزائرية.

وفي وقت تتواصل فيه المظاهرات والمحادثات الدبلوماسية بشأن ليبيا؛ بدأ تبون، الذي جلس مؤخرًا على كرسي الرئاسة الجزائرية، في استغلال الأزمة الليبية كورقة رابحة مهمة لتعزيز مقعده على رأس السلطة في الجزائر. فقد عقد تبون، الذي حضر مؤتمر برلين حول الملف الليبي في 19 يناير الحالي، لقاء قمة مع وزراء خارجية الدول المجاورة لليبيا الأسبوع الماضي. كما استضاف أيضًا الرئيس الجزائري، الذي أرسل وزير خارجيته في جولة سابقًا إلى دول الخليج، الرئيس التركي أردوغان، يوم الأحد، وكذلك وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة بعد يوم واحد من زيارة أردوغان.

 

البحث عن دور حاسم للجزائر في الملف الليبي 

وهنا يجب علينا أن نؤكد أن الجزائر لديها القدرة على لعب دور حاسم للغاية في القضية الليبية، نظرًا لما تمتلكه من مقومات كبيرة تؤهلها لذلك؛ فتلك الدولة الجارة لليبيا لديها تعداد سكاني كبير يصل إلى أكثر من 40 مليون نسمة، وحدود مع ليبيا تبلغ حوالي 900 كم، وكذلك علاقات القرابة التي تجمع بين الجزائريين والعديد من القبائل في ليبيا، كما أن عوامل مثل تقاربها الدبلوماسي مع الدب الروسي الذي يمتد لسنوات عديدة، ومواردها الغنية من الطاقة قد تضفي قوة كبيرة أيضًا على ذلك الدور الذي يمكن أن تلعبه في حل الأزمة الليبية.

لا شك أن أكبر مخاوف الجزائر بشأن ليبيا تتمثل في أن هذا البلد يخضع حاليًا لسيطرة الجماعات الإرهابية المتطرفة. وتلك الدولة الجزائرية، التي عاشت فترة مأساوية في أوائل التسعينيات بعد أن سيطرت على مقاليد السلطة فيها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (المعروفة اختصارًا بـ«فيس»)، التي تعد أحد الأحزاب المتطرفة فكريًا ودينيًا)، لا تريد ـ بكل تأكيد ـ لليبيا أن تنجرف نحو التطرف والإرهاب، أو أن تكون تحت سيطرة الجماعات الإسلامية.

 

أردوغان يبحث عن موطئ قدم في البلد الأفريقي الكبير

وبطبيعة الحال؛ إن تركيا، التي تنظر إلى 2020 بوصفها عامًا نحو الانطلاق في القارة الأفريقية، تولي اهتمامًا وأهميةً كبيرةً لعلاقاتها التجارية والاقتصادية مع الجزائر، حيث تهدف إدارة أردوغان حاليًا إلى رفع حجم التبادل التجاري مع الجزائر، الذي بلغ نحو 4 مليارات دولار العام الماضي، إلى 5 مليارات دولار خلال فترة وجيزة من هذا العام. فضلاً عن ذلك، فإن أكثر من ألف رجل أعمال تركي لديهم استثمارات كبيرة في الجزائر؛ وهذا بدوره جعل من تركيا أكبر مستثمر في هذا البلد.

 

إلى من ينحاز نظام تبون؛ لبعده العربي أم للغازي التركي؟

إن الجزائر، التي يجري أردوغان زيارته الخامسة إليها بشكل رسمي بما في ذلك أثناء فترة توليه رئاسة الوزراء في تركيا، تدعم حاليًا حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس بقيادة فايز السراج، وتنظر إلى مسألة سيطرة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على كامل التراب الليبي باعتبارها أمرًا محل شك وريبة. لكن وعلى جانب آخر؛ فإن المسلحين والمتشددين السوريين الذين جاءت بهم تركيا إلى الداخل الليبي لا يزالون يشكلون مصدر قلق كبير بالنسبة للإدارة الجزائرية، وتلك الوضعية تمنع ـ بالطبع ـ الجزائر من تقديم دعمها بوضوح لأي من طرفي الأزمة في الوقت الراهن.

وفي الختام؛ دعونا نؤكد أن الجزائر ستكون ذات أهمية محورية وحاسمة في أي قمة يجري انعقادها حول ليبيا في الفترة المقبلة. لذلك؛ فإن كلًا من الجانب المصري، والجانب التركي، يعلق آمالاَ كبيرةً على الحصول على دعم ذلك البلد الإفريقي الكبير.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع