الجيش التركي تحت أقدام الروس.. كابوس ينتظر أردوغان حال فشل «اتفاق إدلب»

بوتين وأردوغان

بوتين وأردوغان

في أول لقاء بينهما بعد حادثة إدلب التي راح ضحيتها أكثر من 36 جنديًا تركيًا؛ التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في اجتماعٍ بالغ الأهمية حول الأزمة السورية في العاصمة الروسية موسكو . وبالرغم من أن الاجتماع دار حول إدلب، إلا أنه من المحتمل أن يكون له تأثير عميق على كل من السياسة الخارجية التركية ومستقبل أردوغان، نظرًا لتأثيره المشابه لتأثير «أحجار الدمينو» إذا ما طرقنا واحدًا منها.

 

ألغاز قمة موسكو

هناك العديد من الألغاز التي شهدتها تلك القمة بين الرئيسين. يأتي على رأس تلك الألغاز مدى جدية بوتين مع أردوغان، وتلك الأهمية التي يمنحها إياه، وكذلك ماهية الخطوات التي سيتخذها أردوغان حيال ذلك. فالرئيس التركي، قبل القمة، بذل جهودًا دبلوماسية مضنية كي يتمكن من مواجهة الزعيم الروسي وجهًا لوجه. كذلك أشار الكرملين والمسؤولون الروس، في كثير من الأحيان، إلى أنه لا يوجد هناك أي اجتماع مع أردوغان مدرج على جدول أعمال بوتين، مكتفين بالقول إنهم سوف يستمرون في إجراء مفاوضات عالية المستوى مع أردوغان.

 

بوتين يكشر عن أنيابه

لقد اهتزت العلاقة القائمة بين الرئيسين، وكشر بوتين عن أنيابه لأردوغان للمرة الأولى، على مدار السنوات الأربع الماضية، في 27 فبراير الفارط، بعدما فقد أكثر من 36 جنديًا تركيًا حياتهم في محافظة إدلب السورية خلال الهجوم المشترك الذي نظمته الطائرات الحربية السورية والروسية. وعلى الرغم من أن هذا التوتر في العلاقات قد بدأ في التصاعد منذ شهر ديسمبر الماضي بعد تحرير قوات الجيش العربي السوري لمدينة معرة النعمان الاستراتيجية من براثن الاحتلال التركي، إلا أن هذا التوتر بلغ ذروته بمقتل أكثر من 36 عسكريًا تركيًا خلال العمليات الروسية - السورية الأخيرة لتطهير إدلب من الإرهابيين والجهاديين.

 

الجنون التركي في إدلب

وهنا علينا أن نبين أنه فور تحرير قوات الجيش العربي السوري لمدينة معرة النعمان، ومن بعدها بأيام قليلة مدينة سراقب الاستراتيجية من أيدي أردوغان ونظامه؛ جن الجنون التركي، وبدأ في إرسال شحنات عسكرية مكثفة من العتاد والجنود والمركبات المدرعة إلى محافظة إدلب السورية، رغبة منه في استعادة ما فقده من أراض قد احتلها في الداخل السوري.

 

الإنذار التركي فشنك

علاوة على ذلك؛ كان أردوغان قد أبدى ردة فعل قاسية للغاية على مقتل سبعة جنود أتراك في سوريا في بدايات شهر فبراير الماضي، معلنًا في أحد خطاباته بتاريخ الخامس من فبراير عن إعطائه مهلة لقوات الجيش العربي السوري حتى نهاية فبراير للانسحاب إلى ما وراء نقاط المراقبة التركية التي جرى تأسيسها، وفق بنود اتفاقيات «سوتشي» مع روسيا.

ومع ذلك؛ لم تأخذ قوات الجيش السوري، ولا حتى القوات الإيرانية والروسية الداعمة لها، ذلك الإنذار التركي على محمل الجد. وبشكل سريع؛ وضعت القوات السورية على الفور نصب أعينها الطريق الدولي السريع «M4» عقب تطهيرها المناطق المجاورة للطريق الدولي السريع الآخر «M5» من قوات المعارضة السورية والميليشيات والجهاديين المدعومين من تركيا.

 

أردوغان في ورطة بسبب اللاجئين

ومع اشتداد حدة المواجهات؛ بدأ تدفق واحتشاد ما يقرب من مليون لاجئ سوري على الحدود التركية. وهذا بدوره جعل أردوغان يشعر أنه في ورطة ومأزق كبير في ظل تزايد الضغوط عليه مع ارتفاع أعداد اللاجئين على الحدود بهذه الشاكلة.

إن الاضطرابات التي تشهدها تركيا مع وصول عدد اللاجئين بها إلى ما يقرب من 4 ملايين لاجئ يمكن أن تتحول إلى أزمة كبيرة حتمية لا يمكن تفاديها في حالة حدوث موجة جديدة من اللاجئين. وإدراكًا منه لذلك، طلب أردوغان من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المساعدة من أجل تقوية ساعده في مواجهة بوتين. ومع ذلك، لم تتخذ الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية أي خطوات فعلية لدعم أردوغان سوى تقديم الدعم الشفهي لا غير، وكأنها تقول له «أنت وحدك في مواجهة بوتين، كن حريصًا على نفسك أثناء ذلك».

 

شرخ كبير في العلاقات الروسية التركية

لقد تسبب هجوم 27 فبراير الماضي الذي أدى إلى مقتل ما يزيد عن 36 جنديًا تركيًا ـ حسب الأرقام الرسمية ـ في حدوث شرخ كبير في العلاقات بين بوتين وأردوغان. وعلى الرغم من أن الرئيس التركي وحكومة حزب العدالة والتنمية لم يتهموا روسيا بشكل مباشر، إلا أن وسائل الإعلام التركية والروسية الرسمية، الخاضعة في كلتا الدولتين لسيطرة أردوغان وبوتين، بدأت في توجيه اتهامات شديدة متبادلة إلى بعضهم البعض. وتعد تلك الحرب الإعلامية علامة مهمة لإظهار مدى الأزمة القائمة في العلاقات بين تركيا وروسيا.

 

إعلام روسيا يسخر من أردوغان

كانت وسائل الإعلام الروسية قد تفرغت خلال الأيام الماضية في أخبارها وتحليلاتها لبيان مدى قوة بوتين في مواجهة أردوغان، والصفعات المتوالية من الزعيم الروسي على وجه أردوغان. وتنوعت أبرز العناوين في الصحف الروسية ما بين العجز العسكري التركي ضد الروس، وعلاقات أردوغان غير الشرعية مع الجماعات الإرهابية، والورقة الكردية التي تدخرها روسيا في مواجهتها مع تركيا، وكذلك تحركات روسيا التي تقف حائلًا أمام تطلعات تركيا في ليبيا وشرق المتوسط إلى جانب الداخل السوري.

 

أردوغان بلا أصدقاء.. والسيناريو الكارثي في انتظاره

إن السياسات التي اتبعها أردوغان ضد الدول العربية والغربية في السنوات الأخيرة جعلته حاليًا يبدو عاجزًا وبلا حيلة في مواجهة بوتين، حيث لم يعد لديه أي أصدقاء تقريبًا على الساحة الدولية.

وهذا ـ  بطبيعة الحال ـ  يجعلنا نبحث في طبيعة السيناريوهات التي من الممكن أن تتمخض عنها قمة موسكو بين بوتين وأردوغان. وبدورنا نرى أن هناك سيناريوهين بارزي:

  • السيناريو الأول: يكمن في توصل الزعيمين إلى حل توافقي نوعًا ما فيما بينهم يؤدي إلى إنهاء أزمة إدلب. وتبعًا لهذا السيناريو المتفائل، سوف يمنع بوتين قوات الجيش العربي السوري من التقدم بصورة أكبر. وفي مقابل ذلك؛ سيلتزم أردوغان بكلامه الذي قطعه على نفسه مسبقًا بشأن ضمان سلامة وأمن الطرق الدولية السريعة «M4 » و كذلك «M5 » بعيدًا عن مخالب من يدعمهم من الإرهابيين والجهاديين.

علاوة على ذلك، فإن بوتين سيسمح أيضًا لتركيا بالسيطرة على بضعة كيلومترات من إدلب تقع في الشمال من الطريق الدولي «M4». وبهذه الطريقة؛ لن يشكل اللاجئون تهديدًا لتركيا، فضلاً عن إيكال روسيا وسوريا مهمة السيطرة على العناصر الإرهابية بشكل كامل إلى تركيا. وذلك ـ باختصار شديد ـ يعني إقامة «غزة» جديدة على الأراضي السورية.

  • السيناريو الثاني: هو سيناريو قد يقود ـ  بين عشية وضحاها ـ إلى تغير التوازنات في المنطقة؛ حتى أنه قد يفضي إلى فقدان أردوغان لكرسيه على رأس السلطة في تركيا. ووفقًا لهذا السيناريو، لن يصل الزعيمان إلى أي تسوية.  وبذلك؛ فإن أردوغان يكون قد صوب فوهة البندقية إلى صدره إذ يجازف هكذا بخوض غمار حرب لا يعلم مداها مع روسيا. وفي حالة حدوث ذلك؛ حينها سيكون أمرًا حتميًا (لا مفر منه) أن يتلقى الجيش التركي ضربة وهزيمة موجعة قد تقود معها إلى سيطرة الجيش العربي السوري بشكل كامل على إدلب؛ هذا ـ بالطبع ـ إضافة إلى تدفق الملايين من اللاجئين على تركيا.

 

روسيا لن تكتفي بهذا

إن روسيا لن تكتفي بذلك فحسب، بل ستسعى أيضًا إلى طرد تركيا بعيدًا عن المناطق التي احتلتها من قبل في الشمال السوري. كما أنه لا داعٍ لنا هنا إلى التذكير بأن ذلك السيناريو سيتكرر ـ في الوقت ذاته ـ بحذافيره في ليبيا، وسيكون حينها خروج تركيا من طرابلس مسألة وقت لا أكثر.

لكن مع كل هذا؛ فإن روسيا قد تعاني أيضًا في حالة حدوث ذلك السيناريو، حيث إن بقاءها في سوريا بشكل قوي من دون وجود تركيا قد يبدو أمرًا غير ممكن. فعلى الرغم من أن التفوق العسكري الروسي على تركيا قد يبدو أمرًا بديهيًا وواضحًا للعيان، إلا أن تركيا يمكن أن تستمر في حرب بالوكالة ضد روسيا والقوات السورية من خلال الميليشيات المعارضة للنظام التي تظل تحت قبضتها في سوريا، وكذلك الجماعات الإرهابية التي تتعاون معها بشكل وثيق. علاوة على ذلك؛ من الممكن أيضًا أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الاطلسي «الناتو» باتخاذ إجراءات ضد روسيا في أي وقت، وهذا سيناريو لا تتمناه روسيا على الإطلاق.

 

تحدي أردوغان الخاسر

وختامًا؛ علينا الإشارة إلي أن أردوغان، بإرساله مؤخرًا قرابة خمسة عشر ألف جندي إلي إدلب، صار يتحدي بشكل معلن كل من روسيا وقوات الجيش السوري. كما أن أردوغان ـ  لا شك ـ أنه لن يسحب جيشه وسيغامر بخوض حرب غير محسوبة تكلفتها ضد الدب الروسي في حالة عدم التوصل إلى تسوية مع بوتين؛ لأن الانسحاب حينها يمكن أن يكلف أردوغان الكثير إذ سيصبح كارتًا محروقًا لا قيمة له أمام بني جلدته من الشعب التركي.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع