قصة أردوغان ونهب تبرعات «كورونا».. نسخة تركية من «علي بابا والأربعين حرامي»

أردوغان

أردوغان

يضع الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) في تركيا سلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على المحك، في ظل التعثرات المتوالية للاقتصاد المتهاوي بالفعل، وانهيار قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأميركي، واحتماليات تضرر 15 مليون تركي بشدة من الأزمة.

 

أردوغان يفشل في تمويل حزمة المائة مليار

ففي الوقت الذي أعلنت فيه العديد من البلدان عن حزم مساعدات اقتصادية تقدر بعشرات المليارات ومئات المليارات من الدولارات لمساعدة شعبها على تخطي أزمة ذاك الوباء المتفشي، خرج علينا الرئيس التركي ـ على النقيض تمامًا ـ ليتسول من شعبه المساعدة في حزمته الاقتصادية الجديدة لمواجهة الوباء، بعد أن تسببت أول حزمة إجراءات اقتصادية، التي تبلغ قيمتها 100 مليار ليرة تركية، في إثارة الجدل في الداخل التركي بشأن قدرة خزينة الدولة، التي يعلم الجميع أنها خاوية، على تحمل كل تلك النفقات التي صرح بها أردوغان بكل عنجهية في البداية أمام شعبه.

 

أردوغان والتسول من الشعب

فبعد اجتماع مجلس الوزراء في 30 مارس، ألقى أردوغان خطابًا مليئًا بالحماسة الفارغة، حث من خلاله الشعب التركي على دعم حملة المساعدة للقطاعات المتأثرة من أزمة كورونا، معلنًا في نهاية حديثه افتتاح تلك الحملة بالتبرع براتبه لسبعة شهور مقبلة.

 

الشعب التركي لا يثق في رئيسه

حسنًا؛ لكن هل ما زال الشعب التركي يثق حقًا في أردوغان، الذي نضبت في عهده جميع موارد تركيا، ذاك الذي حول تركيا، البلد الغني، إلى واحدة من أكثر الدول مديونية في العالم، وباع جميع الأصول المملوكة لها، ولا يعلم أحد حتى الآن ما آل إليه مصير أموال المساعدات التي تم جمعها سابقا؟!

وإدراكًا منها لهذا الوضع، قررت البلديات التي يسيطر عليها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، تنظيم حملات للتبرعات بشكل مستقل عن حملة أردوغان المشبوهة، وطلبت من الشعب تقديم تبرعاته ومساعداته على أرقام حسابات بنكية معينة. لكن داخلية أردوغان التي وضع عليها أحد زبانيته، سليمان صويلو، تحركت على الفور متخذة قرارها بحظر تلك الحسابات ووقف التبرعات إليها.

 

«الشؤون الدينية».. الفتاوى على هوى أردوغان

أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التركية، التي تحولت إلى هيئة فتوى لصالح أردوغان، بيانًا مفاده أن المساعدات التي جرى جمعها وتحصيلها تدخل في إطار الزكاة، وبناءً عليه - حسب منظورها - يجب دفع الزكاة للدولة ممثلة في الحكومة وليس البلديات. يبدو أن تلك المؤسسة، التي فقدت مصداقيتها عند كل أبناء الشعب التركي، قد تناست، أنه بعد كل كارثة أو أزمة مرت بها تركيا في السابق، كانت البلديات والصحف والمؤسسات والشركات يمكنها تنظيم حملات لجمع التبرعات والمساعدات وإيصالها إلى وجهات إنفاقها التي أُنْشِئت لأجلها.

 

لكن؛ لماذا يجري الآن جمع كل تلك الأموال من خلال مصدر واحد فقط يسيطر عليها؟!

السبب وراء ذلك بسيط للغاية. فعلى سبيل المثال؛ بعد محاولة الانقلاب المزعومة في 15 يوليو 2016، جرى تنظيم حملة مساعدات وتبرعات لصالح عائلات 250 شخصًا فقدوا حياتهم خلال تلك التمثيلية المبتذلة، وجُمِع بالفعل 338 مليون ليرة. لكن هذه الأموال لم تصل إلى العائلات ولم توزع عليهم، كما لا يعرف أحدٌ أيضًا الوجهات التي ذهبت إليها وأماكن استخدامها.

 

أموال التبرعات تذهب لجيب أردوغان وعصابته

نفس الأمر تكرر في بدايات عام 2017؛ فقد جُمِعَت 52 مليون ليرة تركية في الحملة المنظمة خلال تلك الفترة لصالح أفراد الشرطة الذين فقدوا أرواحهم نتيجة إحدى الهجمات الإرهابية. لكن ـ كالعادة ـ لم تتلق عائلاتهم هذه الأموال.

وهنا دعونا نتساءل أين هي ضرائب الزلازل التي يجري تحصيلها في تركيا، وكذلك الأموال الموجودة في صندوق البطالة؟ من المعروف أنه جرى جمع مئات المليارات من الأموال مرارًا وتكرارًا بهذه الشاكلة؛ لكن لا أحد منا يعلم مكان هذه الأموال الآن، ولا حتى مصيرها، وما آلت إليه.

يستخدم حزب العدالة والتنمية هذه الأموال التي جمعتها الأوقاف والمؤسسات التي أنشأها خلال هذه الحملات لصالح تحقيق منافع ومصالح لحفنة من الأشخاص التابعين له، أو المراكز الدينية الخاضعة لسيطرته، أو إدخالها في إطار المدفوعات والمخصصات والبدلات الضمنية لمؤسسة الرئاسة التركية التي يجلس على كرسي سلطتها أردوغان.

 

مليار دولار مخصصات أردوغان أين تذهب؟

تحوّلت الرئاسة التركية في عهد رجب طيب إلى دولة مستقلة خاصة به هو وحاشيته، يبلغ حجم مخصصاته وبدلاته المغلفة داخل إطار الرئاسة ما يقرب من مليار دولار. ذلك هو الرقم الرسمي المعلن؛ لكن ـ بطبيعة الحال ـ ما خفي يبقى أعظم بكثير من ذلك.

لكن الأدهى والأمر أيضًا يكمن في وجود بدلات ومخصصات احتياطية إلى جانب ذلك البدل المقدر بمليار دولار، أي أنه يحق له إنفاق مليار دولار أخرى. ومع ذلك؛ ووفقًا للخبراء، فإن أردوغان، بخلاف هذه الأموال التي يتلقاها من الميزانية الرسمية، ينفق أيضًا مبالغ طائلة غير معلوم مصدرها الفعلي بشكل دقيق من المزادات والمناقصات وأموال المساعدات والتبرعات والصناديق، وكذلك ما يحصل عليه من دول مثل قطر وليبيا.

 

إذن، أين ينفق أردوغان هذه الأموال؟!

في المقام الأول؛ يقوم النظام التركي بتمويل ودعم الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة في سوريا وليبيا، لكن هذه التمويلات ـ بالطبع ـ تخرج في إطار غير رسمي. ولذلك فإن احتمالية استخدام اعتمادات ومخصصات مُقَنًّعَة في تمويل مثل هذه المجموعات تبدو مرتفعة للغاية.

إلى جانب ذلك؛ توجد هياكل وكيانات مثل منظمة «أرجنكون» الإرهابية التي يجب على أردوغان مساومتها بالمال حتى يضمن بقاءه على رأس السلطة في تركيا، وكذلك الجماعات الدينية المؤيدة له وعائلته، التي لا تكف عن الاحتياج للمال، وهو ما يدفعه لسرقة تلك الأموال لكتم أفواههم.

 

افتضاح أمر العائلة الفاسدة

إن تلك العائلة الفاسدة انفضح أمرها، وانكشف لعبها بمليارات الدولارات بشكل فج خلال عمليات الفساد في الفترة 17 - 25 ديسمبر  2013، وكذلك عن طريق «وثائق بنما» (ملفات مالطا)، التي تعد إحدى جزر الملاذات الضريبية بالنسبة للشركات التابعة لأفراد أسرة أردوغان والمقربين منه، هذا إلى جانب جزيرة مان البريطانية. كما فضحت روسيا أيضًا عائلة أردوغان، ذاك الكيان القذر للغاية، حينما كشفت من قبل أمام الرأي العام العالمي دورها في تسويق «نفط داعش»، هذا التنظيم الإرهابي الذي يدعمه أردوغان في الخفاء.

 

تبرع بقصورك وطائراتك وسيارتك أولًا، ألا تخجل؟

أما المعارضة والكتلة الجماهيرية التي لم تمنح أصواتها لأردوغان ونظامه ردت ـ من جانبها ـ على دعوته للتبرع والمساعدة، مطالبة إياه، أولاً وقبل كل شيء، بالتنازل عن قصوره الهائلة والطائرات الخاصة الفاخرة وأسطول السيارات المرسيدس التي يمتلكها.

دعت المعارضة التركية أيضاً الرئيس الذي يقيم في قصر تبلغ تكلفة مصاريفه اليومية ما يزيد عن 5 ملايين ليرة تركية، إلى خفض نفقاته، كما تريد كذلك أن يتخلى إردوغان عن قصره الصيفي الذي بناه في خليج أوكلوك التابع لمدينة مارماريس التركية، وقصره الثالث الذي جرى إنشاؤه في مدينة أخلاط التاريخية بتركيا. فهناك بالفعل العديد من القصور التاريخية في مدينة إسطنبول وجميعها في خدمة أردوغان وأسرته.

وفي ذات الصدد؛ طالبت زعيمة حزب الخير التركي المعارض، ميرال أكشينار، أردوغان، بالتبرع للحملة بطائرته الخاصة التي منحته إياها قطر، وتقدر قيمتها بأكثر من 500 مليون دولار.

 

رئيس يذهب للصلاة بمئات السيارات، ماذا تنتظرون منه؟!

هناك 13 طائرة خاصة ومئات السيارات من أحدث الموديلات خاضعة لاستخدام أردوغان الشخصي. فمن الممكن لهذا الذي يذهب لأداء صلاة الجمعة بمئات السيارات في موكبه، أن يقضي على هذا التبذير والإسراف بدلاً من خداعنا بأضحوكة التبرع براتبه لسبعة شهور قادمة، وحينها يمكنه المساهمة في حملة المساعدات بأضعاف مما يتكلم به حالياً.

 

في عهد أردوغان.. شعار الرئاسة أعلى من علم تركيا

وبينما نشاهد جميعًا أردوغان يطلق حملات للمساعدة والتبرع داخل دولته؛ كانت الفاجعة والكارثة أن نرى الرئيس التركي الذي لا يتخلى عن «الشو» في كل خطاباته وأحاديثه، ولا يفكر في دولته بقدر تفكيره في مصلحته الشخصية وحفاظه على كرسيه في الرئاسة، يرسل مساعدات علق عليها «شعار الرئاسة التركية» وليس علم تركيا إلى دول أقوى اقتصاديًا بشكل كبير من تركيا مثل إسبانيا وإيطاليا.

وختامًا؛ يبدو أن البلاد يحكمها النسخة الحديثة من الحكاية الشهيرة «علي بابا والأربعين حرامي»، التي يمكن أن نسميها الآن «أردوغان والأربعين حرامي». فالمؤسسة القضائية والدينية حتى المساعدات، كل ما هو بداخل تركيا يتشكل بحسب ما يريده أردوغان. وهذا يبدو وكأنه منظور «الخلافة» الذي يطمح إليه أو شيء من هذا القبيل.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع