«كورونا» ضد أردوغان.. هل تكون نهاية الرئيس التركي على يدي الفيروس الغامص

حملة التبرعات إجبارية من أردوغان

حملة التبرعات إجبارية من أردوغان

لا شك أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعد واحًدا من الأسماء التي تركت بصمتها على العشرين سنة الأخيرة من تاريخ العالم، سواء كان ذلك بطريقة جيدة أو سيئة جالبة للعار. وقد ظهرت الجوانب الجيدة لذلك الرئيس خلال السنوات العشر الأولى من حكمه، وبشكل أدق حتى عام 2011، عندما بدأ «الربيع العربي»

 

ماذا فعل أردوغان خلال تلك الفترة؟

لقد عمد أردوغان خلال تلك الفترة إلى تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ووضعها في إطارها الصحيح، مستهدفًا انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد. كان معدل التنمية الاقتصادية في تركيا أكثر من 5 % سنويًا. علاوة على ذلك؛ كانت العلمانية تعيش جنبًا إلى جنب مع التدين في ظل حالة من التسامح الديني وغياب التمييز، كما حصل الأكراد على كامل حقوقهم المهمة، وأقامت تركيا علاقات جيدة مع جيرانها. وبشكل أعم، دعونا نقول إن الأمل عاد مرة أخرى إلى بلد ظل يعاني لسنوات من ويلات الاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية.

لكن وبدون أي مقدمات، كان عام 2011 هو عام الانهيار والسقوط لكل تلك الأحلام الوردية. فجأة؛ انتكست أحلام العثمانية و«الإخوان المسلمين» المتماثلة تقريبًا. كما تحولت سياسة القوة الناعمة إلى قوة غاشمة معتدية، وبدأت التدخلات في الشؤون الداخلية للجيران. إلي جانب ذلك؛ بدأت تظهر تدريجيًا ملامح الاستبداد وعلاماته في الداخل التركي أيضًا.

 

عام سقوط الأقنعة

حتى جاءت الفترة بين 25 / 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، حيث انهار القناع المزيف الذي يرتديه أردوغان ونظامه. فقد انكشفت النوايا الخبيثة لذلك الطاغية، واتضح أنه وعائلته غارقون في مستنقع الفساد حتى أقاصي رؤوسهم، ولديهم خزائن من مال وثروات هذا الشعب تعادل خزائن دول وبلاد كاملة.

ومن أجل النجاة بنفسه وبأسرته من تلك الكارثة والفضائح المتوالية التي يعيشها، دخل أردوغان سريعًا في تحالفات مع أعدائه القدامى، وبدأ في زرع أسماء موالية له من الهياكل الشبيهة بتنظيمات مثل «أرغنكون»، والجماعات الدينية المتطرفة على غرار تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في المناصب الهامة داخل الحكومة والجيش والمؤسسات الشرطية.

أما برنامج تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، فقد جري وضعه جانباً مع منح العثمانلي أردوغان سلطات واسعة من خلال لوائح وتشريعات قانونية يسنها البرلمان التركي، الذي يسيطر عليه حزبه «العدالة والتنمية».

 

الانقلاب المزعوم.. ونعي الديمقراطية

كان سيناريو الانقلاب المزعوم في 15 يوليو (تموز) 2016 بمثابة النعي الرسمي للديمقراطية في تركيا. فمنذ ذلك التاريخ، بدأ أردوغان في قلب الأمور رأساً على عقب، سواء في سياسته الداخلية أو دبلوماسيته تجاه الخارج. فقد وصلت علاقات تركيا مع دول حليفة وصديقة لأكثر من قرن من الزمان إلى نقطة الانهيار والانقطاع التام. ووجد ذلك النظام المجرم في روسيا، تلك الدولة العدوة لتركيا لما يقرب من 300 عام، حليفًا جديدًا له. يا للعجب، فقد كانت تركيا على شفا حرب مع تلك الدولة خلال العام الماضي.

وخلال هذه الفترة؛ واجه أردوغان العديد من الأزمات والعقبات، ووصل اقتصاده إلى حالة يرثى لها. لكنه كان يعرف دومًا كيفية تجاوز تلك العقبات؛ سواء من خلال خلق تحالفات جديدة في بعض الأحيان، أو الدخول في مساومات وتنازلات لا نعلم عنها شيئًا في أحيان أخرى. وفي ظل تلك الأيام التي تشهد فيها تركيا أزمة اقتصادية تزداد بشكل أعمق وأخطر، جاءت موجة ضخمة من الصين تمحو وتزيل كل شيء يقف أمامها تسمى فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، ليجد أردوغان نفسه أمام مأزق كبير لم يشهد له مثيلًا طوال فترة حكمه.

وفي ظل ما يحدث من تفشٍ للفيروس في تركيا، ترى منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب «المستقبل» المنشق حديثًا عن الحزب الحاكم، أحمد داود أوغلو، هذا بالإضافة إلى عديد المؤسسات الدولية والمتخصصين في مجال الطب والوقاية، ضرورة إعلان حظر التجول، على وجه السرعة، في الشارع التركي. لكن ليس من الممكن لطيب أردوغان أن يُقْدِم على مثل تلك الخطوة التي تتبادر للوهلة الأولى إلى ذهن الجميع.

 

حسناً؛ لكن لماذا لا يطبق أردوغان قرار الحظر هذا؟

مما لا شك فيه أن الاقتصاد هو السبب الرئيسي وراء كل ذلك. فهناك قلق من أن مثل هذا الحظر سيضع الاقتصاد التركي المنهار ـ بالفعل ـ في أزمة كبرى، وسينعكس ذلك بالتأكيد على صناديق الاقتراع خلال الانتخابات. ومع ذلك؛ يدرك أردوغان أنه قد فات الأوان على اتخاذ مثل هذا القرار؛ لأنه إذا اتخذ قرارًا بحظر التجول في الوقت الراهن، ستقول المعارضة إنهم من اقترحوا تلك الفكرة، لكن الأمور خرجت عن السيطرة الآن بسبب تأخر اتخاذ القرار.

 

هل يخشى أردوغان من انقلاب عسكري؟

أما السبب الثاني، الذي يظل بدوره الكابوس الذي يطارد أردوغان دوماً، يكمن في المواجهة مع العسكر، وخوف ذلك الطاغية من احتماليات وقوع انقلاب عسكري. إنه خائف بالتأكيد من إعلان حظر التجول بسبب هذا الكابوس.

من الصعب التكهن بما إذا كان بإمكان أردوغان تحمل ذلك الوضع إذا استمرت تلك الأزمة لبضعة أشهر أخرى. فعلى الرغم من أن الرئيس التركي أسس نظام «الراجل الواحد» داخل تركيا، إلا أنه لا يزال هناك جيش قوي ومعارضة قوية. كما أنه من المحتمل جدًا أن يخرج أردوغان، الذى لم يستطع القضاء على المعارضة والجيش بأي شكل من الأشكال، بهزيمة مدوية أمام قوى المعارضة خلال أي انتخابات مبكرة يجري إقامتها في ظل مثل تلك الظروف.

فخلال الانتخابات السابقة؛ كان يمكن لأروغان بطريقة ما التغلب على المعارضة، لأن الاقتصاد لم يكن في حالة سيئة بعد، على الرغم من جميع قرارته الاقتصادية والسياسية الخاطئة، كما لم يكن هناك سوى حزب الشعب الجمهوري في مواجهته. أما الآن؛ فهناك أسماء بارزة مثل أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الحالي عن حزب الشعب الجمهوري، هذا بالإضافة إلى وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، اللذين انشقا مؤخراً عن حزب أردوغان، وأسسا أحزاباً خاصة بهما، وكل هؤلاء علامات مهمة على الساحة السياسية التركية يمكنهم اقتطاع جزء كبير من الأصوات التي يحصل عليها حزب العدالة والتنمية.

 

الاقتصاد ينقلب على أردوغان

وبينما يكافح أردوغان في سبيل إنقاذ اقتصاده الذي يزداد انكماشًا وانهيارًا مع ارتفاع معدلات البطالة، فإذا بأعداد الوفيات في تركيا جراء هذا الوباء تقفز هي الأخرى بصورة مهولة، كما هو الحال في دول مختلفة من أوروبا، وإذا استقر لدى العامة تصور أن «الأزمة لا يمكن إدارتها» عن طريق العثمانلي ونظامه، فإن التحرك في الشوارع لإسقاط أردوغان قد يكون مسألة وقت لا أكثر؛ فهناك ما يزيد عن نصف مواطني المجتمع التركي يحصلون على قوت يومهم بصعوبة بشكل يومي، وسَيُطْلًب منهم حينها عدم الخروج من المنازل. كما أنه في بلد مثل تركيا، يبلغ فيها معدل البطالة الرسمي في البلاد 14 % وغير الرسمي 20 %، قد يتسبب ذلك الفيروس التاجي الجديد في حدوث معدلات بطالة جديدة تصل إلى 10 % على الأقل.

لذلك كله؛ فإن عملية إدارة تركيا لهذه الفترة الحرجة في ظل جفاف الموارد الاقتصادية في البلاد لن تكون سهلة على الإطلاق؛ فالمؤيد الوحيد لأردوغان، خلال تلك المرحلة، هو حليفه حزب «الحركة القومية»، وخلال الانتخابات المحلية الأخيرة؛ لم يشفع دعم حزب «الحركة القومية» في منع خسارته للبلديات والمدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول وأزمير لصالح قوى المعارضة.

 

هل آن أوان السقوط؟

وفي الختام؛ دعونا نشير أيضاً إلى زيادة احتماليات أن تسبب الأزمات في سوريا وليبيا متاعب أكبر لتركيا في أي لحظة خلال الفترات المقبلة. وحينها سيكون من الصعب التنبؤ بنوع المسار الذي سيسلكه أردوغان في ظل كل هذه الظروف السيئة. فهذا الذي نجح بمهارة في تخطي جميع الأزمات السابقة، أمامه الآن مآزق شتى يلزم عليه تخطيها وتجاوزها. لهذا، يجب عليه عرض مهارات وحركات أكثر.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع