آيا صوفيا تطارد الخليفة المزعوم.. هل أطلق أردوغان رصاصته الأخيرة على رأسه؟

أردوغان في آيا صوفيا

أردوغان في آيا صوفيا

جرى افتتاح «آيا صوفيا» أخيراً. تحقق ذلك الحلم الذي ظل يراود كتلة معينة من الإسلاميين في تركيا، وهو افتتاح «آيا صوفيا» للعبادة وممارسة الشعائر الدينية من جديد.

 

ما آجر المصلي في آيا صوفيا؟

لكن دعونا نتساءل؛ ما هي مزايا وفضائل الصلاة في مثل هذا الأثر الذي بني في الأصل «كنيسة»، ثم جرى تحويله إلى مسجد، ومن ثم حوله مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف؟! أو ما هي الفائدة التي عادت على تركيا من تحويل تلك الكنيسة القديمة، الموجود بجوار مبنى تراثي رائع مثل «جامع السلطان أحمد» أو ما يُعْرَف بـ«الجامع الأزرق»، إلى كنيسة؟!

 

الإسلام السياسي لا علاقة له بالإسلام الحقيقي

لكن بما أن الإسلام السياسي لا علاقة له بالإسلام الحقيقي، فإن الرموز والرسائل التي يمكن أن نستخلصها من أمرٍ كهذا مهمة للغاية؛ فالإسلام السياسي هو مفهوم بعيد للغاية عن روح الإسلام. لذلك، يدافع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الشؤون الدينية التركية علي إرباش وجماعة حزب العدالة والتنمية عن افتتاح «آيا صوفيا» للصلاة والعبادة بالقول إن ذلك الأثر يعد رمزاً لفتح إسطنبول. آلية دفاع أخرى هي أن «آيا صوفيا» تعتبر وقفاً خاصاً للسلطان محمد الفاتح، الذي فتح إسطنبول «القسطنطينية سابقاً»، وأنه أوصى باستخدام هذا المكان كمسجد.

 

استعداء التاريخ للاستعراض في الحاضر

بطبيعة الحال؛ عندما تم فتح إسطنبول عام 1453، لم تكن هناك مساجد في المدينة. وكما هو سائد في ذلك الوقت في الدولة العثمانية، شأنها في ذلك شأن معظم الدول القديمة الأخرى، يجرى تحويل أكبر كنيسة في المدن التي يتم فتحها والسيطرة عليها إلى مسجد في حين لا تمس الكنائس الأخرى.

لقد اتُّبع ذلك العرف والتقليد بشكل عام في الدولة العثمانية هذا هو كل شيء.

 

أردوغان يفتح إسطنبول من جديد!!

لكن تعال لنبحث بدقة ما حدث يوم الجمعة الماضية. لقد كان الحدث بمثابة استعراضٍ بشكل كامل. بدا الأمر وكأن إسطنبول قد جرى فتحها مرة أخرى من جديد أو أن تركيا حققت نجاحاً تاريخياً تحت قيادة رجب طيب أردوغان.

وحسب الأرقام الرسمية للدولة؛ فقد حضر الافتتاح 350 ألف شخصٍ. وبالطبع؛ لعبت القوة التنظيمية لحزب العدالة والتنمية دوراً مهماً في حشد هذا الجمع الكبير من الناس حيث جرى نقل الناس بالحافلات من كل مدينة في داخل تركيا إلى الساحات كما هو الحال خلال حملات أردوغان الانتخابية السابقة. وتدور الشكوك حول أن ذلك الأمر تم استخدامه أيضاً خلال افتتاح «آيا صوفيا».

 

حين يتلو أردوغان آيات القرآن ماذا ننتظر؟

لقد قدم أردوغان أيضاً استعراضاً دينياً بقراءة آيات من القرآن الكريم مثلما كان يفعل ويستغل الدين في العديد من الانتخابات السابقة. لكن هذه المرة لم يبكِ. بكل صراحة؛ اعتقدت أن أردوغان سيبكي ويكمل عرضه المعتاد كل مرة، لكنى كنت مخطئاً.

 

العالم ساده الرعب من رفع السيف على المنبر.. إنها المذهلة!!

رئيس الشؤون الدينية، علي إرباش، الذي لم يتجاوز أيضاً توجيهات أردوغان، قرأ الخطبة وأمّ المصلين في صلاة الجمعة. لكن الجمل التي استخدمها في الخطبة التي قرأها وصعوده على المنبر بالسيف في يده صدم الجمهور. لقد أرسل رسالة إلى العالم بالسيف في وقت تتنافس فيه الدول في الفضاء! بالتأكيد؛ كانت الدول الأرثوذكسية مثل اليونان وروسيا خائفة عندما رأوا هذا السيف ...يا لهزلية الموقف!

 

محمد الفاتح يلعن أتاتورك!!

أما بخصوص أن أرباش أهان أتاتورك أثناء الخطبة... فقد استهدف أتاتورك بطريقة ما بالقول إن السلطان محمد الفاتح يلعن أولئك الذين غيروا من وضعية «آيا صوفيا». لقد انتاب الكماليون محبو أتاتورك في تركيا حزناً عميقاً بسبب استهداف أتاتورك.

هذا يفرض علينا القول إن الإسلاميين والكماليين في تركيا ـ وجهان لعملة واحدة ـ كلاهما رجعيون متخلفون غير معنيين بالمشاكل الحقيقية التي تعاني منها تركيا. فالخط الأحمر للكماليين هو أتاتورك، تماماً كما يستخدم الإسلاميون بقيادة أردوغان الدين ويستغلونه لتحقيق ما يصبون إليه. في الواقع؛ ليس لديهم أي مشاكل أخرى سوى تلك ليفكروا بها.

 

أردوغان استولى على أوقاف تركيا

إن آخر حزب يمكنه الحديث عن الأوقاف هو ـ بلا شك ـ حزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان. لأنه على مدار التاريخ التركي؛ لم يضع حزب آخر، وصل إلى السلطة في تركيا، يده على الأوقاف ولم يستولِ على ممتلكاتها مثلما يفعل حزب أردوغان.

 

أردوغان يناقض أردوغان على طريقة إخوان مصر

يعلم الجميع أن افتتاح آيا صوفيا هو مشروع أردوغان، ولم يطلب المجتمع التركي ذلك من قريب أو من بعيد، كما أن العالم كله يقف ضد ذلك المشروع الأردوغاني. أردوغان الذي قال في العام الماضي إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد سيكون ضرباً من الجنون، وأن أولئك الذين يريدون الصلاة يمكن أن يصلوا في «جامع السلطان أحمد» بجواره مباشرة، يفعل الآن عكس ما قاله بقرار مفاجئ. هذا يعني أن مثل هذه المنعطفات موجودة في جينات الإسلاميين السياسيين.

على سبيل المثال؛ قبل الانتخابات المزمع إجراؤها في مصر بعد الربيع العربي عام 2011، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها لن تشارك في الانتخابات النيابية على مقاعد البرلمان بأكمله، لكنهم لم يفوا بوعودهم. وبالمثل؛ وعدوا بألا يتقدموا بمرشح من أعضاء الجماعة في سباق الرئاسة المصرية، وفعلوا عكس ذلك أيضاً.

يفعل أردوغان الشيء نفسه حيث يرى كل الطرق متاحة في سبيل حماية سلطته ومقعده في رئاسة تركيا. ما قال عليه «أسود» بالأمس يمكن أن يسميه «أبيض» اليوم. تماماً مثل شريكه الأصغر «حزب الحركة القومية». فزعيم الحزب، دولت بهتشلي، وأسماء مهمة أخرى داخله اعتادوا على توجيه الإهانات اليومية لحزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان، على مدار ثلاث أو أربع سنوات مضت نجدهم الآن يحذرون من تفكك تركيا في حالة الإطاحة بأردوغان. يعيشون في حالة تناقض كبيرة للغاية.

يمكننا القول كذلك إن لذلك الذي حدث جانباً جيداً أيضاً.

يمكن للإسلاميين السياسيين الآن النوم بشكل مريح في أسرتهم الليلية؛ إذ يبدو أن النوم كان يطير من أعينهم بسبب بقاء «آيا صوفيا» كمتحف. بالنسبة لهم، كانت «آيا صوفيا» ثمينة تماًماً مثل الكعبة أو المسجد الأقصى.

 

«الخليفة العثماني» يطلق آخر رصاصته

لقد ضغط أردوغان بذلك على واحدة من الرصاصات الأخيرة المتبقية في جعبته. يا هل تُرَى ما الوعود الأخرى التي سيأتي بها أمام أبناء شعبه؟ وإذا كانت هناك انتخابات غداً، فهل يمكنه الأصوات من الشعب من خلال القول بأنه افتتح «آيا صوفيا» كمسجد؟

فوفقاً لاستطلاعات الرأي العام داخل تركيا؛ لم يجلب افتتاح «آيا صوفيا» كمسجد أية أصوات انتخابات لأردوغان. إذن لماذا افتتح «آيا صوفيا» للعبادة في وقت لا يكون فيه أية جداول أعمال انتخابية؟ وما هي الخطط التي لديه؟

أولاً، لقد انهار الاقتصاد التركي بالفعل أو دعونا نقول إنه وصل إلى حافة الانهيار. وإذا استمرت أزمة «فيروس كورونا» لعدة أشهر، وبخاصة إذا زادت معدلات الوفيات مرة أخرى في الخريف؛ حينها سوف تكون فرصة صمود الاقتصاد التركي ضعيفة للغاية. ومن خلال افتتاح «آيا صوفيا» للعبادة؛ يستطيع ذلك المخادع تغيير أجندة الأحداث المتداولة في تركيا، وكذلك استغلال ردود الفعل القادمة من الخارج للتعبير عن أن القوى الأجنبية تستهدف الاقتصاد التركي من جديد.

السبب الآخر هو فتح الجبهات على التوالي. فبعد سوريا وليبيا والعراق وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​، بدأت تظهر الآن مشكلة مع اليونان وأرمينيا. كما توجد روسيا في موجهة مع تركيا أيضاً في العديد من الجبهات. وتواجه تركيا صعوبة بالغة في إدارة الأزمة في تلك الجبهات العديدة. لذا يحاول أردوغان إبقاء جدول الأعمال مشغولاً وصرف انتباه المجتمع لفترة من الوقت من خلال ملف «آيا صوفيا».

ثالثاً؛ وربما الأهم في كل ذلك، لقد بدأ أردوغان الآن في رؤية نفسه بشكل جدي كخليفة عثماني. إنه يعطي رسالة مفادها أنه في حالة حرب مع العالم كله من خلال مخرج «آيا صوفيا» الأخير الذي يحاول أن يثبت من خلاله أن يتخذ من الدولة العثمانية نموذجاً له في سياستها التوسعية. لذلك؛ علينا التأكيد أن رئيس الشؤون الدينية لم يصعد إلى المنبر بسيف في يديه بسبب أن ذلك كان تقليداً شائعاً في العهد العثماني، بل إن الرسالة الرئيسية هنا هي إظهار أردوغان للشعب التركي والعالم أجمع على أنه سلطان عثماني جديد وخليفة للمسلمين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع