هل نحن على أعتاب حرب تركية ـ فرنسية وشيكة؟!

ماكرون وأردوغان

ماكرون وأردوغان

لقد فتحت التوترات في شرق البحر المتوسط وبحر إيجة، في الأشهر الأخيرة، رويدًا رويدًا، الباب على مصراعيه أمام تكهنات تشير إلى إمكانية حدوث حرب وشيكة بين كل من تركيا واليونان. ولعل ذلك ما أراده بالضبط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ فالاقتصاد التركي يتدهور بصورة سريعة كالبرق، كما أن أخبار الانتصار الذي يتوقعه في ليبيا لم تأتِ بعد كما كان الحال في سوريا أيضًا.

 

التوتر مع اليونان.. ورقة أردوغان الرابحة

إن التوتر مع الجارة اليونان هو الورقة الرابحة الوحيدة المتاحة أمام أروغان لإلهاء الرأي العام الداخلي في تركيا. هذا الأمر يشبه إلى حد كبير ما قامت به الحكومات السابقة بشكل متكرر من استغلال لمثل هذه التوترات ونجحت بالفعل في زيادة الدعم الذي تحصل عليه من المجتمع.

هنا تجدر الإشارة إلى أن جنرالات منظمة «أرجنكون» المتقاعدين من قيادة القوات البحرية بذلوا جهودًا كبيرة بغية نشوب حرب تركية يونانية خلال تلك الفترة. بل إن بعض جنرالات تركيا طرحوا سيناريوهات تتمحور حول قيام الجيش التركي باحتلال اليونان لمدة ساعتين فقط. وبينما كانت الأمور تسير على ما يرام بالنسبة للحكومة، ظهر على الساحة لاعب رئيس غير مرغوب فيه؛ فرنسا.

 

فرنسا تظهر كالكابوس

بدأت فرنسا، التي تعد واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم، في الظهور كالكابوس الذي يؤرق جبين تركيا في جبهات عدة، شأنها في ذلك شأن روسيا.

جرت أول منافسة وصراع جاد في ليبيا. وسعت فرنسا، التي شعرت بانزعاج كبير من الحشود العسكرية والقواعد التركية على الأراضي الليبية، نحو زيادة ثقلها على الساحة بعد أن أقدمت حكومة طرابلس المدعومة من تركيا على السير نحو سرت التي يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

في غضون ذلك، تعرضت قاعدة الوطية الجوية الليبية التي كانت تركيا تريد استغلالها كقاعدة لعملياتها الجوية لهجوم من قبل طيران مجهول، مما ساهم في تلف بعض الرادارات والمعدات العسكرية التي كان نظام أردوغان قد نشرها في تلك القاعدة. وحتى تلك اللحظة لم تصدر تركيا أي بيان حول ماهية الدولة التي نفذت ذلك الهجوم. وبحسب الخبراء، ليس هناك أدنى احتمالية لعدم معرفة أنقرة الجهة المسئولة عن القيام بهذا القصف على تلك القاعدة التي تسيطر عليها في ليبيا.

وبعد الهجوم على تلك القاعدة وما تلاه من وقف إطلاق النار القسري الذي فرضته روسيا بعدما مارست ضغوطًا على تركيا، أصدرت الكيانات السياسية الليبية المتمركزة في طبرق وطرابلس، في 21 أغسطس، بيانات متلاحقة في نفس الوقت تتعهد من خلالها بوقف إطلاق النار والالتزام بالهدنة.

 

قرار وقف إطلاق النار في ليبيا ضربة كبيرة لأنقرة

لقد كان قرار وقف إطلاق النار الأخير هذا بمثابة ضربة كبيرة لأنقرة، إذ يبدو أن حكومة رئيس الوزراء الليبي فايز السراج، ومقرها طرابلس، قد اتخذت هذا القرار دون علم تركيا. وخلال فترة قصيرة، خرجت مظاهرات في طرابلس وعدد من المدن الليبية الأخرى التي تسيطر عليها حكومة الوفاق. كان المتظاهرون يحتجون على فساد حكومة السراج. وفي الوقت الذي أطلقت فيه المليشيات الموالية للسراج النار على المتظاهرين، أراد وزير الداخلية الليبي في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، الذي يبدو وكأنه الرجل الأقرب لتركيا في ليبيا، استغلال تلك الأحداث لصالحه وتضخيمها. لكن الرد جاء سريعًا من السراج بإقالة باشاغا من منصبه.

لكن السراج الذي لا يمكنه البقاء دون دعم تركيا سرعان ما تراجع وأخذ خطوة نحو الوراء، فبادر أولاً بإعادة باشاغا إلى منصبه مرة أخرى، ثم جاء إلى تركيا والتقى بأردوغان. وعلى الرغم من أن التنافس بين السراج وباشاغا يبدو وكأنه قد انتهى، إلا أن العداء بينهما صار أمرًا مفروغًا منه وواضحًا للعيان.

 

تصعيد فرنسي كبير

إن التصعيد الفرنسي ضد الخروقات التركية حدث بالأساس في شرق البحر الأبيض المتوسط بعدما كثفت فرنسا من تحركاتها الفعلية ضد الوجود التركي في ليبيا. وتسبب قيام السفن الحربية التركية باعتراض إحدى السفن الحربية الفرنسية ومنعها من البحث عن سفينة تجارية في طريقها إلى ليبيا في مزيد من التوتر بين البلدين. وبذلت فرنسا جهودًا كبيرة في كل من الناتو والاتحاد الأوروبي من أجل معاقبة تركيا، لكنها لم تستطع الحصول على الدعم اللازم الذي تريده لتحقيق ذلك. لذلك قررت فرنسا الانخراط في التوترات بين تركيا واليونان.

لم ترسل فرنسا، التي أجرت تدريبات مشتركة مع اليونان وقبرص، طائرات حربية إلى قبرص فحسب، بل وجهت أيضًا حاملة الطائرات الوحيدة «شارل ديغول» نحو المنطقة. أما رد تركيا على التحركات الفرنسية الآنية، فكان إجراء تدريبات ومناورات مشتركة مع جمهورية شمال قبرص التركية المعترف بها فقط من قبل تركيا.

إلى جانب ذلك؛ وردًا أيضًا على تلك الخطوات الفرنسية، حولت تركيا وجهتها نحو بعض الدول داخل القارة الأفريقية ووقعت معها عددًا من الاتفاقيات. فأولاً؛ تناقلت الصحف أخبارًا حول توقيع تركيا اتفاقية عسكرية مع النيجر، الجارة الجنوبية لليبيا، لكن ليست هناك تفاصيل كثيرة حول مدى جدية هذه الاتفاقية. تطور آخر تمثل في الانقلاب العسكري الذي وقع في مالي الشهر الماضي والمزاعم حول وجود أصابع تركيا وراء ذلك. ومع ذلك، هناك بعض الأقاويل التي تشير إلى وجود مبالغة في الحديث عن دور تركي وراء ذلك الانقلاب.

 

صراع فرنسي تركي في الشرق الأوسط وفرنسا

لكن بالنظر إلى أن تركيا تنتهج استراتيجية فعالة، خاصة في البلدان الفقيرة والضعيفة وغير المستقرة بالأخص، فلا شك في أن المستعمرة الفرنسية السابقة على رادار أنقرة. بيد أن الاقتصاد التركي المنهار إلى جانب العدد غير الكافي من الدبلوماسيين المتمرسين ذوي الخبرة يجعل فعاليتها في هذه البلدان أمرًا مشكوكًا فيه.

واحدة من التحركات الفرنسية ضد تركيا، ولربما أيضًا واحدة من أهمها، كانت تلك الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العراق. فقد استعرض ماكرون العلاقات الثنائية خلال زيارته الأسبوع الماضي إلى بغداد، وجدد دعمه الحكومة العراقية التي تشعر بانزعاج كبير من العمليات العسكرية التركية على أراضيها في الأشهر الأخيرة.

وبالتحديد بعد فترة وجيزة من هذه الزيارة؛ نشر موقع «المونيتور» الإخباري، المهتم بشؤون الشرق الأوسط ومقره الولايات المتحدة الأمريكية، أن العراق ومصر والأردن قرروا تشكيل قاعدة مشتركة ضد تركيا في المجال الأمني، والاقتصادي والدبلوماسي. ولا ينبغي أن نتفاجأ إذا رأينا اسم فرنسا في تلك القاعدة المشتركة بعد فترة قصيرة.

 

ماكرون لا يشعر بالارتياح من إدارة أردوغان

علاوة على ذلك؛ يأتي ماكرون على رأس القادة الأوروبيين الذين يشعرون بعدم الارتياح الشديد لاستغلال إدارة أردوغان للأتراك في الخارج، خاصة ألمانيا، كعملاء للاستخبارات. وسعيًا نحو منع أردوغان من توجيه الــ500 ألف تركي الذي يعيشون في فرنسا لصالح أجنداته، فقد طور الرئيس الفرنسي إجراءات وتدابير معينة من شأنها أن تحد من ذلك، ولعل من أبرزها تلك التي من المتوقع أن يصدرها وتتعلق بالأئمة المعينين من قبل تركيا. 

ألمانيا أيضًا التي تواجه خطرًا مماثلاً بدأت تعطي الأولوية الآن إلى تعيين أئمة مدربين في المساجد من بين الجالية التركية في ألمانيا، وذلك بهدف منع تركيا من تعيين الأئمة. إلى جانب ذلك، تسعى الدولة الأوروبية إلى قطع الدعم المالي عن المؤسسات المرتبطة بمؤسسة الشؤون الدينية التركية «ديانت» في ألمانيا، والتي تعمل وكأنها الذراع السادسة لأردوغان التي يسعى من خلالها للوصول لما يريده. ومن الممكن أن يدخل مثل هذا الأمر حيز التنفيذ في فرنسا أيضًا.

كانت الخطوة الأخيرة لماكرون هي إدراج التاريخ الكردي في مناهج التعليم في فرنسا. هذا الأمر دفع المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، إلى الرد على الدرس الذي يحمل عنوان «الأكراد والمسألة الكردية»، الذي سيجري تدريسه في كتاب التاريخ والجغرافيا في العام الأخير من المرحلة الثانوية في فرنسا، زاعمًا أن ذلك يدعم الأيديولوجية الانفصالية لـحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب الكردية مما يشكل تهديدًا خطيرًا على الأجيال القادمة.

 

خطاب ماكرون العنيف يحرج تركيا

كما تنعكس التوترات بين البلدين في خطابات الزعيمين. فخلال خطاب له نهاية الشهر الماضي، صرح الرئيس الفرنسي ماكرون بأن الأتراك ينتبهون للأفعال أكثر من الكلام والتصريحات، مشددًا على أن بلاده طبقت سياسة «الخط الأحمر» ضد تركيا في شرق المتوسط. وفي خطاب آخر اتهم ماكرون تركيا بأنها تعيش وهم الإمبراطورية.

علاوة على ذلك؛ قال ماكرون، في تصريحات لمجلة «باري ماتش» الفرنسية، إن «أردوغان ينتهج سياسة توسعية تقوم على مزيج من القومية والإسلاموية. هذه السياسة لا تتطابق مع القيم الأوروبية وهي عامل يتسبب في حالة من عدم الاستقرار».

مرة أخرى، وفي خطاب ألقاه الشهر الماضي، انتقد أردوغان فرنسا وماكرون دون التصريح بأسمائهم علانية. وصرح حينها قائلاً «في الآونة الأخيرة، نرى أن اليونان والإدارة اليونانية قد اتخذت خطوات خاطئة مع استفزازات دولة ليست ساحلية لشرق البحر المتوسط. لا ينبغي لأحد أن يرى نفسه في المرآة عملاقًا. أتحدث بوضوح شديد. لا ينبغي لأحد أيضًا أن يسعى وراء الشو والاستعراض».

لكن على الرغم من توتر العلاقات بين البلدين، إلا أن انخراطهما سويًا في الناتو، وكونهما طرفًا في العديد من الاتفاقيات داخل الاتحاد الأوروبي، هذا إلى جانب حجم العلاقات التجارية المتبادلة، كل ذلك يبرز كعوامل مهمة تمنع اندلاع حرب محتملة.

علينا التذكير هنا أن العلاقات بين البلدين كانت متوترة من قبل، خاصة بعد إقرار قانون الإبادة الجماعية للأرمن في البرلمان الفرنسي، وأدلى أردوغان حينها بتصريحات قاسية تجاه الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت، نيكولا ساركوزي، وقال إنه لن يزور فرنسا مرة أخرى.

وختامًا، علينا الإشارة إلى وجود أحاديث تؤكد أنه مثلما يريد أردوغان استغلال التوترات مع اليونان أو أي دولة أخرى لزيادة أصواته والتغطية على المشاكل المتفاقمة في الداخل التركي، يسعى ماكرون كذلك إلى استخدام التوتر مع تركيا كذريعة يمكنه من خلالها الحصول على أصوات اليمين المتطرف على وجه الخصوص.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع