تركيا محاصرة بين غضب عربي وسخط أوروبي.. ماذا بعد قمتي جامعة الدول و«ميد 7»؟

جامعة الدول العربية

جامعة الدول العربية

هذا الأسبوع، كان هناك اجتماعان ضد تركيا في غاية الأهمية؛ اجتماع مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وقمة دول جنوب أوروبا السبع «ميد7». انْتُقِدَت تركيا من الطرفين بكلمات قاسية للغاية. وكالعادة جاء الرد المعتاد من تركيا على مثل هذه الانتقادات بأنها لا تأخذها على محمل الجد، وأنها في حكم العدم بالنسبة لها.

 

حصار عربي غربي لتركيا

مع ذلك؛ فإن كلاً من نتائج القمتين من المحتمل أن تكون لها عواقب وخيمة للغاية على مستقبل تركيا؛ فالعالم العربي وأوروبا هم شركاء تركيا التجاريون والجغرافيون والتقليديون، ومن المستحيل أن تتجاهل تركيا هذه الدول.

فقد وجهت جامعة الدول العربية، يوم الأربعاء، في اجتماع مجلسها على المستوى الوزاري في دورته العادية (154) الذي عُقِد عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» بسبب الإجراءات الاحترازية تجاه فيروس كورونا «كوفيد 19» رسائل حاسمة لتركيا، مطالباً أنقرة بالتوقف الفوري عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، والانسحاب غير المشروط من سوريا والعراق وليبيا. كما أدان المجلس، في بيانه، ما وصفه بتدخلات أنقرة في شؤون الدول الثلاث.

 

القاهرة لن تلتزم الصمت

قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في كلمته أمام القمة، إن القاهرة لن تلتزم الصمت تجاه النشاطات والتدخلات التركية في العراق وسوريا وليبيا، مشدداً على أن مصر تدعم الخطوات التي تتخذها بغداد تجاه العمليات التركية في شمال العراق.

 

رسائل فرنسية شديدة اللهجة

على جانب آخر، وجه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال قمة دول جنوب أوروبا السبع «ميد 7» التي عقدت في جزيرة «كورسيكا» الفرنسية، وضمت إلى جانب فرنسا كلاً من إيطاليا وإسبانيا وقبرص واليونان ومالطا، رسائل صارمة وشديدة اللهجة إلى تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، وذلك قبيل القمة مع رؤساء حكومات الدول الأعضاء، مشيراً إلى أن تركيا لم تعد تتحرك في شرق المتوسط بوصفها دولة حليفة في الناتو «حلف شمال الأطلسي».

 قال ماكرون إن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يجب أن تتخذ موقفاً أكثر حزماً ووضوحاً تجاه تركيا وحكومة الرئيس التركي أردوغان.

وجاء البيان الختامي للقمة بمثابة التحذير لتركيا وقادتها، مشيراً إلى أنه في حالة عدم تخلي أنقرة عن أنشطتها الأحادية الجانب في شرق البحر الأبيض المتوسط، فمن الممكن حينها فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي المجهزة ـ في الأساس ـ ضد تركيا. ومن المتوقع أن تكون تركيا هي القضية الأساسية خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي التي ستعقد يومي 24 و25 سبتمبر (أيلول)، خاصة أن فرنسا تطالب الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على تركيا رداً على السياسات التي تنتهجها أنقرة في أوروبا الشرقية.

 

ردود تركية هزيلة

أما رد تركيا على ردود الأفعال وتلك التحذيرات الآتية من جامعة الدول العربية والدول الأوروبية، فكان كالمعتاد «لن نأخذها بعين الاعتبار. هي في حكم العدم». وفي بيان لها رداً على قرارات الجامعة العربية بشأن تركيا، أعربت وزارة الخارجية التركية عن رفضها القاطع لكل القرارات التي جرى اتخاذها بشأن تركيا مشيرة إلى أن أنقرة لا تأخذها ـ من الأساس ـ على محمل الجد. كما زعم البيان أن جامعة الدول العربية تتبنى موقفاً معادياً لتركيا في قراراتها تلك.

إلى جانب ذلك، رد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، على تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون قائلاً «ليعلم ذلك ماكرون جيداً، التصريحات التي تفصل بين رئيسنا وأمتنا هي نهج فاسد منذ البداية. رئيس تركيا هو تركيا ويمثلها».

 

تركيا أصبحت ملكاً خاصاً لأردوغان!

إن تصريح تشليك هذا له أهمية تاريخية من حيث الكشف عن كيفية سير السياسة الخارجية التركية، لأن هذه التصريحات تُظْهِر تركيا في العقل الباطن «اللاوعي» على أنها ملك للرئيس التركي. فهناك توقع ممن يديرون السياسة الخارجية لتركيا بأنه لا يمكن مناقشة أو انتقاد أي خطوات أو أقوال أو أفعال يقوم بها الرئيس التركي. يمكن توقع أي خطوة خطيرة من مثل هذه العقلية. لكن في البلدان الديمقراطية، حيث حقوق الإنسان في المقدمة، والرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء في خدمة الشعب، لا يمكن أن يكونوا فوق الشعب.

ربما فساد حزب العدالة والتنمية بجميع أنواعه، ينبع من رؤيته لتركيا على أنها مُلْكٌ خاصٌ له، وأنه يمكن أن يمارس كافة أنواع الظلم والفساد بكل أريحية دون أي عائق يقف أمامه. وربما لهذا السبب، فإن ذلك الحزب يمكن أن يتخذ خطوات بعيدة عن الممارسات والاتفاقيات الدبلوماسية المعتادة في السياسة الخارجية، ويمكن أن تعرض مستقبل تركيا للخطر.

 

التحذير العربي لتركيا لم يأت من العدم

إن دعوة جامعة الدول العربية لتركيا تحكمها الممارسات والاتفاقيات الدبلوماسية بشكل كامل. كما أنها بمثابة تحذير لتركيا للتوقف عن سياستها التوسعية التي اتبعتها عقب الربيع العربي وكأنها تصرخ في وجه أنقرة «كفى، المنطقة لديها بالفعل العديد من المشاكل، لا تأتِ أنتِ أيضاً وتصنعي مشكلة أخرى. المنطقة عانت كثيراً من الاحتلال والظلم، لا نريد احتلالاً جديداً».

تنشط تركيا حالياً في ثلاث دول؛ فهي دولة احتلال في كلٍ من ليبيا وسوريا والعراق. ومع ذلك، فهي تستهدف دولاً أخرى مثل اليمن وعمان والسودان. كما أن أردوغان، الطامع دوماً والذي لم يكتفِ بذلك، يسعى أيضاً للدخول في علاقات واتفاقيات عسكرية مع دول مثل النيجر والصومال ومالي وإثيوبيا. ولا ينبغي أن ننسى أن مثل هذه الاتفاقات هي في الغالب جزء من أهدافه للسيطرة على المنطقة.

 

طموح أردوغان لحماية كرسيه يضيع فرص تركيا

ربما لو أرادت تركيا، كان يمكنها أن تكون مركز جذب وثقل اقتصادي في المنطقة مثل ألمانيا. فالدولة التركية، التي تعتبر جسراً يربط بين كل من أسيا وأوروبا إلى جانب أوراسيا وأفريقيا، لديها العديد من المقومات والأسباب التي تمكنها من تحقيق ذلك. لكن طموح أردوغان لحماية كرسيه على رأس السلطة في تركيا، وغطرسته وخوفه من أن يحاسب على كل فساده وظلمه دفعه فجأة نحو وسائل وطرق أخرى.

لقد دمرت تركيا تحت قيادة أردوغان عقوداً سعت فيها نحو مبدأ «السلام في الوطن، والسلام في العالم»، وتحولت إلى دولة ارتبط اسمها، بين عشية وضحاها، بالاستعمار. كما أنها الآن تسير بسرعة نحو نقطة لا رجوع فيها الآن مع اتباع هذه السياسة. وقبل أن تصل إلى هذه النقطة، لا يزال بإمكانها العودة من الأخطاء التي ارتكبها سياسيوها، وتحسين علاقاتها مع دول المنطقة.

 

لهذا، كأولوية؛ يلزم على تركيا اتخاذ تلك الخطوات:

* الانسحاب من أراضي ليبيا وسوريا والعراق التي احتلتها.

* إنشاء قنوات اتصال مع الجهات الفاعلة في المنطقة، خاصة مع مصر.

* إنهاء أعمالها ونشاطاتها غير المجدية وغير الضرورية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​.

* يجب اتخاذ خطوات للمساهمة في حل المشاكل في المنطقة.

  • إذا لم يتم اتخاذ هذه الخطوات بشكل عاجل، فإن الشعب التركي سيعاني لأجيال.
  •  

ماذا سيحدث إذا لم يجرِ اتخاذ تلك الخطوات؟

أولاً، سيجري إقامة الدولة الكردية التي ظلت كابوساً يطارد حكام تركيا لعقود من الزمان. وسوف تُتِّخذ خطوات سريعة في هذا الصدد.

ثانياً، سيتغير موقف شعوب المنطقة الذين يعتبرون الشعب التركي أشقاء لهم.

ثالثاً، سوف تُشَكِّل جميع البلدان المناوئة لتركيا تحالفاً، وتلقي بتركيا في أحضان روسيا وإيران بشكل كامل.

رابعاً، ستتلاشى تماماً أحلام تركيا في أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي.

خامساً، سوف تتسارع هجرة العقول التي زادت في السنوات الأخيرة وستغادر البلاد كل الكتل المثقفة وصاحبة الأخلاق والمحترمة للقيم الإنسانية. سيبقى فقط العنصريون، والإسلاميون، وأعداء الحضارة، وأولئك الذين يفكرون فقط في ملء جيبهم. يمكننا القول بسهولة إن الناس أصحاب تلك العقلية قد بدأوا بالفعل في السيطرة على جميع النقاط الرئيسة في الدولة تقريباً من البيروقراطية إلى القضاء، ومن الجامعات إلى الأعمال التجارية.

 

تركيا لن تنهض في ظل عدائها لأوروبا والعالم العربي

ليس من الممكن لتركيا النهوض والبقاء في ظل عدائها ضد الاتحاد الأوروبي والعالم العربي. فبالإضافة إلى العلاقات التاريخية مع هذين العالمين، هناك ترابط تجاري واقتصادي وعسكري واجتماعي وثقافي وثيق. كما أنه من الطبيعي جداً وجود بعض الخلافات والعوائق. يمكن أن يحدث هذا في كل أسرة وكذلك عبر البلدان. ومع ذلك، فإن طريقة التغلب على هذه المشاكل لا تتمثل أبداً في قوة اليد والبأس.

لسنوات، حاولت الولايات المتحدة الأميركية حل المشاكل في الشرق الأوسط بقوة معصمها. لكن ما هي النتيجة؟ اضطر عشرات الملايين إلى الفرار من منازلهم، وفقد مئات الآلاف من الناس حياتهم، وأصبح ملايين الأطفال يتامى، ودُمرت ملايين العائلات. ومع ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة قد استغلت تريليونات الدولارات التي أنفقتها من أجل إحلال السلام، كان من الممكن ألا تتحول المنطقة إلى حلقة من النار كما هي اليوم.

الآن تبحث الولايات المتحدة الأميركية عن طرق للانسحاب من المنطقة، في حين تأتي تركيا على رأس الدول التي تحاول أن تشغل مكان الولايات المتحدة الأميركية. لكنْ هناك فرق كبير بين الولايات المتحدة وتركيا. فالاقتصاد الأميركي، فضلاً عن كونه أقوى بما لا يقارن مع تركيا، أميركا أيضاً ليست بلداً في المنطقة، يمكنها المنطقة متى تشاء. لكن تركيا ليس لديها مثل هذا الحظ، فالمشاكل والمعضلات التي تتسبب فيها ستؤذيها في المقام الأول.

وختاماً، علينا إيضاح أن هناك علامات قوية على هذا قائمة بالفعل. فقد وقفت كل من أوروبا والعالم العربي ضد ما تفعله تركيا. كما أن هناك حظراً اقتصادياً قوياً في الطريق سوف يفرضه الاتحاد الأوروبي على تركيا، وهذا لن يشل الاقتصاد فقط، بل سيكون من الصعب حتى الحفاظ على حدود تركيا. لذلك كله فإن تحذير جامعة الدول العربية لتركيا يكتسب أهمية تاريخية.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع