زلزال بايدن يعصف بإدارة أردوغان..هل استقال البيرق خوفا من فتح ملفات الفساد؟

بايدن وأردوغان

بايدن وأردوغان

تسبب فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية في حدوث زلزال كبير في حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث أعلن صهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، الذي يظهر اسمه باعتباره أقوى الأسماء في تركيا بعد أردوغان، مساء الاثنين، استقالته من منصبه عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «إنستجرام» نتيجة شعوره بعدم الارتياح.

يشار إلى أن استقالة البيرق هذه جاءت بعد وقت قصير من إقالة محافظ البنك المركزي التركي مراد أويصال، في ساعة مبكرة من صباح السبت واستبداله بوزير المالية السابق ومستشار أردوغان ناجي آغبال.

 

لماذا تأخر أردوغان في تهنئة بايدن؟

جاءت كل هذه التطورات بعد أن هنأت الغالبية العظمى من قادة العالم، خاصة القادة الغربيين، واحدًا تلو الآخر، بايدن، على فوزه في الانتخابات. أما تركيا فتأخرت في تهنئة بايدن. ويشير خبراء إلى أن الأسباب وراء ذلك ترجع إلى التصريحات القاسية التي أدلى بها بايدن ضد أردوغان في الماضي، إلى جانب خيبة الأمل العميقة التي أحدثها فشل ترمب في الفوز.

 

اللعب بمصائر محافظي المركزي

جدير بالذكر أن أويصال كان قد تولى مهام منصبه قبل 16 شهرًا خلفًا لمراد تشاتين كايا، الذي أقاله أردوغان بحجة أنه «لا يسمع الكلام». وعلى مدار فترة توليه المنصب، استحق أويصال لقب «أكثر من خفض سعر الفائدة بين محافظي البنوك المركزية بالعالم».

وقبل أن يتمكن الرأي العام من تحليل أسباب إقالة أويصال بشكل كامل في ساعة مبكرة من صباح السبت، فإذا به يُفَاجأ بقرار استقالة صهر أردوغان عبر حسابه على موقع التواصل «إنستجرام»، الأمر الذي فسره الكثيرون بأنه أثر «زلزال فوز بايدن» على حكومة أردوغان.

 

سيناريوهات  إقالة البيرق

هناك العديد من السيناريوهات حول أسباب استقالة البيرق الذي أغلق حسابه على تويتر. وعلى رأس هذه السيناريوهات، يبرز غضب البيرق من تعيين آغبال رئيساً للبنك المركزي. إذ يؤكد الخبير الاقتصادي، إردال ساغلام، أحد أهم كتاب الأعمدة في صحيفة «جمهوريت»، أن البيرق تشاجر مع والد زوجته أردوغان بشأن تعيين آغبال، وبالتالي ترك منصبه.

السيناريو الثاني هو أن أردوغان يريد تشكيل حكومة جديدة في الأشهر القليلة المقبلة، ويفكر في تكليف البيرق بملف الخارجية. وبحسب المزاعم، سيجري تعيين وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ووزير الداخلية سليمان صويلو نائبين للرئيس. يقول فاتح ألطايلي، الكاتب بجريدة «خبر ترك»، إحدى الصحف المقربة من الحكومة، إنه سمع من وراء الكواليس أن أردوغان قد يعلن على الرأي العام التركي في أي لحظة قائمة تعديلات وزارية جديدة.

أما السيناريو الثالث هو أن عالم الاقتصاد الآن يشعر بالانزعاج تجاه البيرق، خاصة بعد تصريحاته الهزلية التي قال خلالها؛ «أنا لا آخذ الدولار بعين الاعتبار، يمكنني تخفيض سعر الدولار بين عشية وضحاها إذا أردت»، تلك التصريحات التي يبدو وكأنها دفعت أردوغان إلى التحرك. فعند تعيين البيرق في 10 يوليو (تموز) 2018 كان سعر الدولار 4.67 واليورو 5.48 ليرة تركية. أما في الوقت الحالي، يقع اليورو في نطاق الـ10 ليرات والدولار في نطاق 8.50 ليرة تركية.

السيناريو الأخير هو أن يتم فتح الملفات التي تتعلق بتركيا سريعًا مع وصول بايدن لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية. في هذه الحالة، هناك أقاويل تتردد بأن أردوغان أراد حماية صهره البيرق، أو على الأقل إبقائه بعيدًا عن الأنظار، خاصة بعد ورود اسمه في العديد من قضايا الفساد.

 

سر صمت أردوغان عن استقالة البيرق

مر يوم تقريبًا على تقديم البيرق لاستقالته على حسابه على موقع «إنستجرام»، لكن حقيقة عدم صدور أي بيان أو تصريح حول تلك الاستقالة من أردوغان وحاشيته حتى وقتنا هذا يفسره البعض على أنه رغبة لدى السلطة الحاكمة في قياس ومعرفة نوعية رد الفعل التي سيقابل بها الرأي العام التركي تلك الاستقالة.

ومع ذلك؛ وقبل ساعات قليلة من إعلان البيرق قراره بالاستقالة، افتتح أردوغان «ملعب قوجه إيلي» الذي سبق أن جرى افتتاحه قبل ثلاث سنوات من الآن، وكانت تقام عليه المباريات. وخلال الافتتاح، حاول أردوغان شرح أسباب عقد مراسم الافتتاح الآن، قائلاً «النصيب أن يحدث ذلك اليوم».

 

الليرة سعيدة باسقالة البيرق

لقد قادت استقالة البيرق الليرة التركية نحو تحقيق مكاسب في الأسواق تفوق الـ3 في المائة أمام الدولار واليورو. فقد كان تعيين اسم من الحكومة لرئاسة البنك المركزي، إحدى المؤسسات التي ينبغي أن تكون مستقلة، لا يلقى ترحيبًا في أوساط الشعب التركي. وبحسب العديد من الاقتصاديين؛ لولا قرار البيرق بتقديم استقالته في اللحظة الأخيرة، لكان من المتوقع أن ترتفع أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الليرة التركية سريعًا مع افتتاح الأسواق يوم الاثنين.

 

انقلاب صغير داخل القصر

في الوقت الحالي، كل الأنظار تتجه نحو تحركات أردوغان والانقلاب الصغير الذي حدث داخل القصر. فأغبال، الذي شغل منصب وكيل وزارة المالية خلال عمليات الفساد في 17 - 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 ووزارة المالية منذ عام 2015، صنع لنفسه اسماً بالخطوات غير القانونية التي اتخذها لمصادرة ممتلكات رجال الأعمال خلال فترة ولايته. وفي الوقت نفسه، ترك أغبال، أحد أكثر البيروقراطيين الموثوق فيهم لدى أردوغان، مقعده للبيرق في عام 2018 وبدأ مهام واجباته في القصر.

وفي مهمة أغبال الجديدة، يشعر الكثيرون بالقلق البالغ من أن يعمل ذلك الرجل كــ«خادم مطيع» لأردوغان، ويترك موارد البنك المركزي تماماً لسيطرة أردوغان. حيث يعتقد الكثير من الخبراء أن أردوغان، الذي سيطر على جميع المؤسسات ذات الدخل والعائدات في تركيا من خلال إلحاقها بما يسمى «صندوق الثروة السيادي»، يرغب في ضم البنك المركزي أيضاً تحت طائلة ذلك الصندوق عبر طرق ملتوية تتمثل في تعيين أحد رجاله أغبال على رأس ذلك البنك.

 

أردوغان يتوجس خطرًا من بايدن

بعد تولي بايدن منصبه، من المتوقع أن تُعْرَض عليه العديد من الملفات المتعلقة بأردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية. ويأتي على رأس تلك الملفات قضايا الفساد المتعلقة بـ«بنك خلق». ففي عمليات غسل الأموال الإيرانية بوساطة رجل الأعمال الإيراني رضا زراب، جرى إرسال مليارات الدولارات إلى إيران بطرق مختلفة. وفي المقابل؛ كسب كثير من الناس، خاصة أردوغان وعائلته والمقربين من الحكومة، مليارات الدولارات من عجلة الفساد هذه.

تجدر الإشارة هنا أن أردوغان، بعد محاكمات «خلق بنك» ورضا زراب، التي بدأت قبل انتخابات 2016 في الولايات المتحدة، وأثرت عليه بشكل متزايد، التقى بايدن، الذي كان نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما في ذلك الوقت، وقدم العديد من الطلبات، لا سيما إقالة بريت بهارارا، المدعي العام للقضية. إلا أن مطالب أردوغان بدأ تنفيذها حرفياً من قبل ترمب، الذي تولى منصبه في رئاسة الولايات المتحدة، وتنفس أردوغان الصعداء. ومع ذلك؛ فرغم بذل ترمب جهداً مكثفاً، إلا أنه لم يتمكن من إغلاق ملف تلك القضية التي ظلت عالقة حتى وقتنا هذا.

القضية الأخرى هي ملف «S - 400». فرغم كل الضغوط الأميركية، إلا أن أردوغان اشترى نظام الدفاع الصاروخي الروسي مما دفع الكونغرس الأميركي إلى اتخاذ قرار بمعاقبة تركيا، لكن ترمب علق هذا القرار ووقف حائلاً أمام تنفيذه.

إن نظرة إدارة بايدن تجاه الملفات المتعلقة بتركيا سوف تحدد المسلك الذي سيتخذه أردوغان وحكومته. فإذا تحرك بايدن بلا هوادة ودون القبول بأي تنازلات وسمح بحدوث تقدم قانوني في تناول تلك الملفات التي تتعلق بتركيا، خاصة ملفي «خلق بنك» و«S - 400»، فمن المؤكد أن أردوغان سيبدأ معركة جديدة ضد الولايات المتحدة والغرب.

 

«يا بايدن، يا أميركا»

وحينها سيحاول الظهور على الشاشات كل يوم قائلاً بلهجة تنم عن التحدي «يا بايدن، يا أميركا»، وبهذه الطريقة يسعى نحو زيادة التأييد الشعبي له. إلى جانب ذلك؛ سيسعى أردوغان نحو اللعب كثيراً بورقة روسيا، واتخاذ خطوات ستضع التحالفات الغربية في مأزق. ومع ذلك، فإن أردوغان، الذي فقد توازنه ويعتبر الآن أضعف القادة الاستبداديين في العالم، من غير المرجح أن يكون قادراً على ضمان دعم بوتين أو أي زعيم دولة أخرى.

أما السيناريو الآخر؛ فهو عدم اتباع بايدن لسياسة حادة وصارمة تجاه تركيا وأردوغان كما يقول. وفي هذه الحالة؛ سيحدد أردوغان سياسته وفق ما تسير إليه الأمور.

في نهاية الأمر؛ ينتابنا فضول كبير حول نوع السياسة التي سيتبعها أردوغان، الذي لم يعد بإمكانه الوصول إلى البيت الأبيض بشكل مريح مع فقدان ترمب لمقعده وتولي بايدن مهام منصبه، مع الولايات المتحدة في الفترة المقبلة. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن بايدن سيتولى منصبه في 20 يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، فمن المحتمل جداً أن يكون أردوغان، الذي أمامه شهران آخران، قادراً على تنفيذ بعض حركات التطهير والاستعداد للتعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة في ظل هذه الظروف.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع