الإخوان وأردوغان.. توافق فكري أم تحالف براغماتي بلباس كهنوتي؟

أردوغان ومرسي

أردوغان ومرسي

تقرير- سنان مارت

 

تسبب كتاب إحسان أرسلان، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، الذي طرح مؤخرًا في المكتبات، وأطلق عليه اسم «أرديمدا كالان»، أو كما يعني بالعربية «ما كان في الماضي»، في خلق حالة من الصخب الكبير في تركيا.

وقال أرسلان، موجهًا نقدًا ذاتيًا لنفسه وللحزب في العديد من المجالات، إبان فترة تواجده داخله «لقد تظاهرنا بالنزعة الإخوانية أكثر من الإخوان أنفسهم، والنزعة الفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، كنا مهووسين بالنزعة العثمانية».

«إحسان أرسلان» ليس سياسيًا عاديًا، بل إنه أحد أولئك الذين كان لهم تأثير عميق على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، في الوقت نفسه يعد أحد أبرز السياسيين الأتراك ذوي الأصول الكردية.

ومن ناحية أخرى، يتجلى أمامنا نجله، مجاهد أرسلان، باعتباره أحد هؤلاء الذي يعدون خزان أسرار الرئيس أردوغان. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يعمل مجاهد أيضًا مع جماعات الضغط منذ فترة طويلة، للعثور على قنوات اتصال مع جو بايدن وفريقه. وبحسب وسائل الإعلام الأمريكية، وجد أرسلان بعض قنوات الاتصال التي تمكنه من الوصول إلى بايدن. إلى جانب ذلك، تتزامن كلمات إحسان أرسلان «لقد تظاهرنا بالنزعة الإخوانية أكثر من الإخوان أنفسهم» مع جهود أردوغان لتشكيل العالم العربي من خلال علاقته الوثيقة بالإخوان المسلمين.

 

هل أردوغان أخوانيًا

ومع ذلك، كما هو الحال في كل مجال، هناك خطأ شائع كثيرًا، وهو أن أردوغان إخواني النزعة!

ويزعم أردوغان دومًا أنه حامل لواء القضية الفلسطينية، لكنه زار آرييل شارون، جزار صبرا وشاتيلا، في القدس، ولم يبد أي اعتراض على تصريحه (مرحبًا بكم في القدس، العاصمة الأبدية والأزلية لإسرائيل). ليس هذا فقط، لكن خلال كل زياراته للولايات المتحدة، يجري مباحثات بشكل أساسي مع المنظمات اليهودية الرائدة.

وبينما يوجه انتقادات حادة للغرب ووسائل التواصل الاجتماعي وتليفزيوناتهم وقنواتهم ويتهمهم بالسعي نحو تخريب وتدمير هيكل الأسرة التركية، نجده يفتخر بخروج (الزنا) من قائمة الجرائم التي يعاقب عليها القانون في تركيا.

وفي حين أنه يقول إنهم يناضلون ضد الكثير من الدول المعادية لتركيا ويحاربون لوبي المصالح والفائدة، نجده يبحث جميع أوجه التعاون الممكنة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، الذي سبق أن استهدفهم بكلماته دون الكشف عن هويتهم، أو يتجه للاختباء خلف الناتو على الفور عندما يأتي تهديد من روسيا.

 

لا قيمة مقدسة لأردوغان سوى مقعده على رأس السلطة

لذلك، لا قيمة مقدسة لأردوغان سوى مقعده على رأس السلطة. عند الضرورة، يمكنه أن يطرح زوج ابنته وصهره جانبًا، ويوبخ بولنت أرينش، أحد أقرب السياسيين، الذي اعتاد أن يخاطبه بــ(الأخ الأكبر)، أمام الرأي العام بأكمله، بل ويطرده أيضًا.

ومما سبق، يمكننا القول إن العلاقة بين أردوغان والإخوان المسلمين، التي يخطئها الجميع، ليست عميقة ومتجذرة كما تبدو. هم أيضًا وسيلة يستخدمها أردوغان لتعضيد مقعده. فكما قال أردوغان من قبل «إذا لزم الأمر، أرتدي لباس الكاهن للوصول إلى الهدف»، فإن الإخوان المسلمين ليسوا أكثر من لباس كهنوتي لذلك البراغماتي.

 

مرشد الإخوان يسأل عن هاتف أردوغان؟!

أثناء عملي في مصر، سألني زعيم الإخوان المسلمين، محمد مهدي عاكف، خلال مقابلتي معه، عن هواتف رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان ودائرته المقربة، وقال إنهم لا يعرفون الكثير من أعضاء الحزب. وبشأن ما إذا كانت تربطه علاقات مع حزب العدالة والتنمية، قال إنه كان على علاقة بنجم الدين أربكان لفترة، لكن هذه العلاقة لم تكن أبدًا بعمق العلاقات مع الحركات الإسلامية في الدول العربية.

ولكن بعد ثورة 25 يناير، بدأ أعضاء حزب العدالة والتنمية، ولا سيما تحت قيادة ياسين أقطاي، في إقامة علاقات مع جماعة الإخوان المسلمين بمعزل عن السفارة التركية بالقاهرة. على الرغم من أن هذه العلاقة كانت متجذرة أكثر قليلًا في ظل حكم محمد مرسي، كان لدي انطباع بأن كبار أعضاء جماعة الإخوان المسلمين لا يثقون بأردوغان ودائرته المقربة. والسبب هو مدى إدراكهم التام لاستغلال أردوغان القومية التركية وسعيه من خلالها نحو تحقيق أحلامه العثمانية.

وأصبحت العلاقات بين حزب العدالة والتنمية، ولا سيما إدارة أردوغان، وجماعة الإخوان المسلمين أكثر وضوحًا بعد سقوط مرسي. كان للحركة فروع ليس فقط في مصر، ولكن في جميع أنحاء العالم العربي، وكانت تلك فرصة هائلة بالنسبة لأردوغان.

 

دور  جمال الدين كريم وغازي مصرلي،

وتدور العديد من الأحاديث حول أن رجلي الأعمال السوريين المنتمين للجماعة، واللذين حصلا على الجنسية التركية لاحقًا، جمال الدين كريم وغازي مصرلي، يلعبا دورًا مهمًا في صياغة العلاقات بين أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين وتشكيلها. كلاهما من بين أهم ممولي «هيئة الإغاثة الإنسانية» المؤيدة لحزب العدالة والتنمية، والمعروفة بأنشطتها التي تتعلق بالإغاثة وتقديم المساعدات في العالم الإسلامي.

جمال الدين كريم (اسمه الحقيقي جمال كريم) هو حاليًا رئيس جمعية رجال الأعمال العرب والأتراك «آرتياد»، كما يرأس أيضًا «جمعية الحكمة»، التي تعد أحد الهيئات داخل «اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا»، أحد تنظيمات «يوسف القرضاوي» في أوروبا.

غازي مصرلي (الاسم الحقيقي غازفان مصري) كان أيضًا مشاركًا في السابق في إدارة شبكة الإخوان المسلمين الدولية في أوروبا بين عامي 1999 و2000. وبالإضافة إلى كونه عضوًا في جمعية رجال الأعمال المستقلين «موصياد» المقربة من حزب العدالة والتنمية، فإن مصرلي، وهو أيضًا نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي القريب من الحكومة التركية، يلفت الانتباه بقربه إلى أردوغان. وخلال زيارة الرئيس السوري «بشار الأسد» إلى إسطنبول، عندما كانت العلاقات في أوجها مع تركيا، قام رئيس الوزراء خلال تلك الفترة، أردوغان، بتقديم المصري للأسد قائلًا «أرجوك، يا أخي الأسد. ساعد هذا الرجل».

 

 «سي آي إيه» والموساد سلحا جماعة الإخوان ضد نظام الأسد

هنا علينا التوضيح أن علاقات حكومة أردوغان بجماعة الإخوان المسلمين في سوريا هي استمرار للسياسة التي تنتهجها الجمهورية التركية منذ السبعينات. فقد بدأت تركيا في اللعب بورقة الإخوان المسلمين منذ ذلك الوقت ضد الدولة السورية، بسبب استضافتها لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية.

وخلال هذه السنوات، عملت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» والموساد، اللتان دعمتا جماعة الإخوان المسلمين وسلحتها ضد نظام البعث، بالشراكة مع المخابرات التركية. وذكرت وسائل الإعلام أن المخابرات التركية استضافت أعضاء في الحركة، ونظمت تدريبات عسكرية لهم. كما لجأ بعض قادة الإخوان المسلمين الفارين من مذبحة حماة، عام 1982، إلى تركيا.

إلى جانب ذلك، كان اثنان من المواطنين الأتراك هما «محمد البيرق» و«مصطفى البيرق» قد هاجما إحدى الحافلات التي كانت قد انطلقت في رحلة بين (اللاذقية- حلب) في إبريل 1986. وبعد قضائهم 23 عامًا من السجن، جرى الإفراج عنهما بعد الرسالة التي كتبها الرئيس آنذاك عبد الله جول إلى الأسد. وبعد عودتهما إلى تركيا، زارهما أحمد داود أوغلو.

 

أردوغان واستخدام الإخوان بين الجاليات التركية في أوروبا

وبعد إطاحة الشعب المصري بمرسي في 2013، فإن أردوغان، الذي لطالما أدلى علنًا بتصريحات متكررة لصالح مرسي والإخوان المسلمين في تركيا وعلى الصعيد الدولي، كان دومًا ما يكشف عن تعاطفه مع الجماعة من خلال رفع أصابعه الأربعة وعلامتهم الشهيرة. عند عودته من زيارته للهند في 3 مايو 2017، قال ما يلي بعد أن وصفت بعض الدول هذه الحركة بأنها منظمة إرهابية، «أنا واضح في هذا الموضوع. أنا لا أقبل تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. منذ أن توليت رئاسة الوزراء، كان هذا رأيي في جميع المحافل والتجمعات. هذه منظمة لديها بنية تحتية فكرية بشكل كامل. وبالنسبة لمنظمة لا تملك سلاحًا، لا يمكنك تسميتها منظمة إرهابية».

لقد بدأت الأقاويل حول استخدام أردوغان للإخوان المسلمين في جهوده لإقامة نشاط خاص بالجاليات التركية في أوروبا في الظهور على أرض الواقع. وأشارت الحكومة الألمانية في ردها على استجواب برلماني في 27 أكتوبر الماضي إلى الروابط التي تجمع قادة الرؤية الوطنية «مللي جوروش»، وتنظيم الإخوان المسلمين، ورئاسة الشؤون الدينية في أنقرة «ديانت» مع الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية في ألمانيا «ديتيب». وصرحت الحكومة الألمانية أن (هذه الروابط تظهر أيضًا في الأحداث والفعاليات المنظمة بشكل مشترك).

 

آلاف الإخوان لجأوا لتركيا بعد 2013

وبعد عام 2013، عندما أطيح بجماعة الإخوان المسلمين من مصر، لجأ الآلاف من أعضاء الجماعة إلى تركيا، وحصل الكثير منهم على الإقامة. وجميع المؤسسات الإعلامية للجماعة، التي تبث على الأقل أربع قنوات تلفزيونية والعديد من الصحف والمجلات، محمية من قبل وحدات المخابرات التركية نفسها.

ختامًا؛ لا شك في أن صورة أردوغان المتمثلة في دولة (الرجل الواحد)، وقيادة البلاد نحو الهاوية تعطي دلائل عدة على الشكل الذي سيبدو عليه حكم الإخوان المسلمين. فالحركة ليست منفتحة على الشباب والابتكارات، وتتجاهل النقد، وليست في حالة وئام مع الديمقراطية، شبيهة جدًا بما عليه حكومة أردوغان. ومع ذلك، فإن الاثنين يمران بمفترق طرق مهم. فهل تتغير سياسة أردوغان، الذي يرغب في ألا تتعارض توجهاته مع رؤية الرئيس الأمريكي المنتخب «جو بايدن» الجديدة للشرق الأوسط، ناحية الإخوان المسلمين؟ هذا ليس واضحا الآن.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع