هل يمكن أن تتصالح مصر مع تركيا؟

أردوغان والسيسي

أردوغان والسيسي

تقوم تركيا بنشاط دبلوماسي مكثف منذ فوز جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة التي أجريت في 3 نوفمبر من العام المنصرم. ونتيجة لهذا النشاط الدبلوماسي، جرى استئناف المباحثات الاستكشافية مع اليونان، التي لم تعقد على مدار خمس سنوات.

من جانبه أرجع المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، استئناف هذه المحادثات بعد 5 سنوات إلى الرؤية الحكيمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، معتبرًا ذلك خطوة مهمة، قائلاً أيضًا إن تركيا ستواصل تنفيذ سياستها الخارجية من العراق إلى سوريا، ومن القوقاز إلى ليبيا وجميع المناطق الأخرى، من خلال رؤية للسياسة الخارجية تركز على الجانب الإنساني والسلام والاستقرار والجهات الفاعلة المتساوية والاحترام المتبادل والمصالح مع مراعاة الظروف التي تتطلبها جغرافيتها والعناصر التي توجبها المصالح الوطنية.

 

لكن قالن تجاهل الحديث عن ما تسببت فيه الرؤية «الحكيمة» لأردوغان من أضرار بالغة لتركيا:ـ

أولاً؛ بدأت تكتلات قوية في التشكل ضد تركيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. على سبيل المثال، كان هنالك سياسة خارجية متوازنة بين تركيا وإسرائيل ومصر طيلة الوقت. وعلى الرغم من أن تلك العلاقات كانت تمر بموجات مد وجذر، إلا أن هذا التوازن لم ينكسر. إذن ما الذي حدث في العام الماضي؟ وهل لم تقف هاتان الدولتان، اللتان ظلتا لفترة كبيرة على الحياد تجاه المشاكل بين تركيا واليونان، إلى جانب الدولة الإغريقية؟ ألم توقع اليونان ومصر اتفاقية ترسيم حدود بحرية؟ ألم يتحالف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع اليونان وقبرص؟ وبالمثل، ألم تذهب إسرائيل إلى تحالف مماثل مع اليونان؟ هل يعتقد أن هذه التطورات ستنقلب رأسًا على عقب بالمصافحة أو توزيع الابتسامات واحدة أو اثنتين؟

ثانيًا؛ تركيا، في شرق البحر الأبيض المتوسط، صارت ​​تُعامل وكأنها إيران جديدة. فمثلما أصبحت إيران دولة مثيرة للمخاوف ومكروهة في منطقة الخليج، نفس الأمر صار ينطبق على تركيا الآن

ثالثًا؛ مع السياسة المتشددة التي تنتهجها تركيا، حاولت السيطرة على بعض المناطق في سوريا وليبيا والعراق بحجة الحفاظ على السلام في تلك البلدان وحماية مصالحها. لقد حققت تركيا كل ذلك باستغلال الفجوات والفراغات في الموازين الدولية. لكن عندما تستتب الأمور في هذه التوازنات، هل تستطيع تركيا الحفاظ على سياسة الاحتلال التي تتبعها؟ بالتأكيد لن تستمر وستظل صورة تركيا، الدولة المحتلة، التي شكلتها لدى شعوب تلك البلدان تتناقلها الأجيال.

 

نتيجة لسياسة أردوغان الخارجية الأيديولوجية، أصبحت تركيا أكثر الدول المكروهة في المنطقة اليوم. ودعونا نقول بكل صراحة أن تركيا لم يكن أحد لينظر إليها لولا موقعها الجيوسياسي. لكن لا محالة أن موقعها هذا يجبر جميع الدول على توخي الحذر تجاهها. فلا أحد يريد أن يدخل في صراع مباشر مع تركيا، وهذا يشمل أيضًا القوى الكبرى. لكن حقًا ليس مفهومًا أن يستغل أولئك الذين يشغلون كرسي السلطة هذا الوضع.

فعلى سبيل المثال، انقلب التوازن المستمر منذ عقود مع مصر رأسًا على عقب. وهذان البلدان هما أهم لاعبين في المنطقة دون استثناء. كلاهما بسبب سكانهما وموقعهما. لكن مصر الآن، بسبب سياسات تركيا التوسعية التي تنتهجها، تسعى نحو تقوية خط المواجهة لديها. فبينما تقيم تحالفات مختلفة مع إسرائيل واليونان، تحاول الحفاظ أيضًا على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا. وأثناء القيام بكل ذلك، فهي كذلك تمارس نشاطًا دبلوماسيًا مثيرًا للاهتمام في المناطق التي تسعى تركيا إلى أن تنشط فيها.

 إلى جانب ذلك؛ تسعى القاهرة، التي وقفت في السابق على مسافة من حكومة الوفاق الليبية في طرابلس التي تخضع لسيطرة تركيا، إلى إقامة اتصالات مع جميع الأسماء النشطة والفاعلة حاليًا. وعلى نفس الوتيرة، فهي تقوي كذلك قنوات الحوار مع كل من الأكراد ونظام الأسد في سوريا. ولم تكتف مصر بذلك أيضًا، بل نظمت مناورة مشتركة مع روسيا في البحر الأسود لأول مرة في تاريخها.

على النقيض من ذلك، فإن تركيا منزعجة مما تقوم به مصر من نشاط. وبينما تحاول تركيا خلق بيئة من الخوف في الدول المجاورة باستخدام الجهاديين والطائرات بدون طيار، تولي مصر اهتمامًا للدبلوماسية.

 

حسنًا، لكن هل يلقى عرض تركيا بمد يديها إلى مصر قبولاً لدى الإدارة المصرية في ظل هذه الظروف؟ هل من الممكن الجلوس على طاولة مع اليونان وكذلك مع مصر؟

بالطبع يمكنه الجلوس. فبالفعل يذكر أردوغان دومًا بإصرار أن هناك مباحثات تجري بين مصر وتركيا على المستوى الاستخباراتي، كما تحدث مسؤولون أتراك آخرون عن نفس الأمر. ومع ذلك، لم ترد معلومات تأكيدية من مصر بشأن هذه المسألة.

قد تكون هناك مقابلات. قد تكون هناك أيضًا مباحثات مماثلة لتلك التي نظمتها المخابرات التركية مع إسرائيل. لكن هل ستكون هناك نتائج من مثل هذه المحادثات؟

هل يمكن لتركيا أن تقيم طاولة سلام مع دول الجوار دون الخوض في تغيير شامل في الرؤية؟!

لكي يجلس أردوغان على طاولة المفاوضات مع مصر، عليه أن يقدم تنازلات مهمة في بعض القضايا الأساسية.

لا شك أن جماعة الإخوان المسلمين تأتي أولاً، حيث يعيش العديد من قادة هذه الجماعة الإرهابية في تركيا وقد أسست تركيا استراتيجيتها في الشرق الأوسط اتكالاً على تلك الجماعة. فالإخوان في سوريا وليبيا واليمن وتونس والسودان وحتى قطر يشكلون أحد أركان السياسة التركية.

فعلى سبيل المثال، الإخوان المسلمون في سوريا وليبيا، حيث تحتفظ تركيا فعليًا بجنود وميليشيا في تلك البلدان، يقدمون دعمًا لوجيستيًا وكذلك دعمًا بالمسلحين إلى تركيا. فتركيا تستخدم هذه المجموعة عادة كقوة هجومية وضاغطة لديها.

حسنًا لكن هل يخذل أردوغان الإخوان المسلمين؟! إذا حصل على المزيد في المقابل، يمكنه بالطبع فعل ذلك. فإذا كان أردوغان قد تخلى وشيطن حتى الأشخاص الذين دخل معهم ميدان السياسة بكل سهولة، فيمكنه حينئذ ترك جماعة الإخوان المسلمين بسهولة أكبر.

ليبيا تأتي ثانيًا. فكيفما تنظر تركيا إلى سوريا على أنها ساحتها الخلفية وتعتقد أن كل التطورات في هذا البلد تهمه، نفس الأمر يسري على مصر أيضًا. فبكل تأكيد مصر لا تريد أي وجود تركي في ليبيا، وتعتبر ذلك الوضع تهديدًا خطيرًا لأمنها. لكن تركيا من ناحيتها تدعي أنها جاءت إلى تلك الدولة بناءً على دعوة وجهتها لها الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة بحجة حماية مصالح الشعب الليبي. لكن الجميع يعلم أن هدف تركيا بدخول هذا البلد يقوم على سببين هما: فك طلاسم وحدتها في شرق البحر المتوسط ​​من خلال ليبيا والضغط على اليونان باتفاقية ترسيم حدود بحرية، تقاسم الموارد الهائلة التي يمتلكها هذا البلد، وأن تكون صاحبة الكلمة العليا في أنشطة إعادة البناء في هذا البلد الذي تعرض للتخريب.

إن تركيا تبذل جهودًا هائلة بغية الحصول على ما تصبو إليه من هذا البلد وعدم الخروج منه. فبينما كان يجب أن تسحب قواتها وميليشياتها من هذا البلد اعتبارًا من الأمس، إلا أنها لم تمتثل لذلك الأمر. لذلك، تلقت تحذيرات من كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. وبطبيعة الحال، لم تكن تركيا وحدها التي لم تمتثل لذلك، بل يسري نفس الأمر على روسيا.

 

فلسطين تمثل مشكلة أخرى بين مصر وتركيا:

تركيا تتفنن في إظهار نفسها أمام الرأي العام كمدافع عن القضية الفلسطينية، وهذا الوضع يزعج مصر بطبيعة الحال. إذ لا يمكن حل القضية الفلسطينية بدون مصر. كما تثير علاقات تركيا الوثيقة مع حماس أجراس الإنذار في كل من مصر وإسرائيل.

لم يُذْكَر أن هناك أي جهد جاد من جانب تركيا فيما يتعلق بحل المشكلة الفلسطينية. فقد كانت العلاقات التركية الإسرائيلية جيدة إلى أن وقعت حادثة «مافي مرمرة»، وكانت تركيا في نفس الوقت تدعم حل المشكلة الفلسطينية بطريقة أكثر فاعلية. إلا أنه بعد هذا الحادث خرجت تركيا بعيدًا عن الإطار الفلسطيني.

أزمة أخرى تتكشف في السنوات الأخيرة بين البلدين وهي انفتاح تركيا على البحر الأحمر وخليج عدن. فمصر التي ترى الوجود التركي في البحر الأحمر حيث افتتحت قناة السويس خطرًا على نفسها تمامًا كما هو الحال في ليبيا تشعر أيضًا بالانزعاج الشديد من القاعدة العسكرية التي أسستها تركيا في الصومال. إلى جانب ذلك، فإن الانفتاح التركي على السودان، واليمن، والجزائر، وإثيوبيا يُنظر إليه على أنه تهديد لمصر.

عند النظر في كل هذه المشاكل، لا يبدو من الممكن أن تعود العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين في وقت قصير. في الواقع، هذه المشاكل ليست صعبة الحل. ومع ذلك، فإن رؤية أردوغان وإدارته للسياسة الخارجية باعتبارها امتدادًا للسياسة الداخلية وكذلك نهجهم الأيديولوجي تجاه الأحداث تسبب في أزمات خطيرة ليس فقط مع مصر ولكن أيضًا مع الحلفاء التقليديين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع