الألاعيب التركية في شرق المتوسط .. مسلسل مستمر لا ينتهي

تركيا في المتوسط

تركيا في المتوسط

ما زالت منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الغنية بالموارد الطبيعية مسرحًا للعديد من الأحداث المتلاحقة. فقد صرح مؤخرًا وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بأن تركيا من الممكن أن تتفاوض مع مصر بهدف توقيع اتفاقية بشأن الاختصاصات البحرية لكلا البلدين وفقًا للمسار الذي تحدده وتسمح به العلاقات الثنائية.
تلك التصريحات من جاويش أوغلو جاءت بعدما ذكرت الصحيفة اليونانية «كاثيميريني» أن مصر أعلنت عن مناقصة للتنقيب عن الهيدروكربونات (النفط والغاز) في شرق البحر المتوسط، راعت خلالها حدود الجرف القاري الذي أعلنته تركيا للأمم المتحدة، ونقلت وسائل الإعلام التركية الخبر في جو احتفالي.


من لا يعرف العلاقات بين البلدين والمعادلات والتطورات في المنطقة يفكر في الآتي:
* أولاً؛ أن مصر وتركيا تبنتا سويًا تحركًا مشتركًا ضد اليونان، ووضعا أثينا في موقف صعب للغاية.
* ثانيًا؛ أن مصر تحاول التفاوض من أجل توقيع اتفاقية مع تركيا، لكن الدولة التركية تشعر بعدم الارتياح تجاه تلك الفكرة. ففي حين أن مصر لم تضم إلى المناقصة التي أعلنت عنها المساحة الصغيرة المتنازع عليها مع تركيا (لا نعرف الكثير من التفاصيل)؛ إلا أنه جرى تصوير الأمر في الداخل التركي على أن القاهرة تدعم أطروحات أنقرة في شرق المتوسط. وبطبيعة الحال؛ مثل هذا الوضع ليس صحيحًا أو محل حديث على الإطلاق؛ حيث إنه في أواخر أغسطس الماضي، وقعت مصر واليونان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في رد فعل مشترك منهما على الاتفاقية المماثلة التي وقعتها تركيا مع ليبيا.
* ثالثًا؛ أن تركيا تسعى خلف الدولة المصرية من أجل عقد اتفاقية معها في حين لا يوجد اهتمام أو أي جهد من مصر حتى تلك اللحظة في سبيل توقيع تلك الاتفاقية. ونسي الجميع أن مصر تعتبر أحد الأطراف الرئيسية في التحالف الذي تم تشكيله ضد تركيا رفقة دول المنطقة.


إن مزاعم وقوع تطورات بشأن عقد اتفاقية مع مصر، والتي تعد أحد الأمثلة الأخيرة على تحرك القادة الأتراك ووسائل الإعلام الموالية لهم في سبيل خلق صورة وردية لدى الشعب التركي، قد ذهبت أدراج الرياح حقًا في نفس اليوم مع تصريحات المسؤولين المصريين.

فخلال ذلك الوقت؛ شارك وزير الخارجية المصري سامح شكري في اجتماع وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية وانتقد خلال كلمته تركيا بأشد العبارات.
وأكد شكري أن تدخل النظام التركي في أحداث المنطقة كان مدمرًا للغاية ومزعزعًا للاستقرار داعيًا إلى وضع حد لهذه التدخلات التي أصبحت أهم تهديد للمنطقة.
كما صرح المتحدث باسم الخارجية المصرية، أحمد حافظ، أن مثل هذه التدخلات من قبل النظام التركي تسببت في حدوث انقسام اجتماعي وطائفي في بعض الدول العربية. أما النائب أحمد مقلد، أمين سر لجنة الشئون العربية بمجلس النواب، فقد علق على تصريحات وزير الخارجية التركي حول إمكانية التفاوض مع مصر بشأن ترسيم الحدود، قائلاً: إنه ينظر إلى تركيا نظرة تشكيك.
وتساءل مقلد، خلال مداخلة هاتفية برنامج «صالة التحرير» المذاع على قناة صدى البلد، الأربعاء الماضي، كيف يطمئن لدولة تسعى دائماً لمد الهيمنة الاستعمارية والنفوذ، مؤكدًا أنه فاقد الثقة بها. وتابع مقلد أن التدخل التركي في ليبيا يهدف إلى الاستيلاء على الثروات اللييبية ومد النفوذ السياسي والاستعماري، مؤكدًا أن التدخل التركي ليس فقط يهدد السلام الداخلي إلى ليبيا بل يهدد الأمن القومي المصري.

في الواقع، إن اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة التي وقعتها تركيا مع ليبيا وجعلتها وجهًا لوجه مع اليونان في شرق المتوسط لا تشغل مصر كثيرًا. أي أنها لا تهدد مصالح مصر. وبالتالي، فإن مصر لا تتدخل أكثر من اللازم في التوتر الحاصل بين تركيا واليونان. لذلك، كانت تلك هي النتيجة حين لم تضم المناقصة الأخيرة التي أعلنت عنها مصر القطعة الـ18 التي تطالب بها تركيا زاعمة أن تلك المساحة من حقها.


ذلك الأمر له دلالات عدة:ـ
* مصر هنا لم تتخذ موقفًا مؤيدًا لتركيا. هي فقط لا تريد الدخول في هذا النقاش في الوقت الحالي؛ وقد كشفت عن موقفها بالفعل في تلك المسألة من خلال توقيع اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة (ترسيم الحدود البحرية) مع اليونان.
* ثانيًا، مشكلة مصر الرئيسة مع تركيا ليست الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط ، بل الإخوان المسلمين وليبيا. ولا يبدو أنه من الممكن اتخاذ خطوة من القاهرة تجاه تركيا طالما أن الإدارة التركية تمثل خطرًا بالنسبة لمصر بشأن هذين الموضوعين. إلى جانب ذلك؛ فإن بعض التطورات في المنطقة تُبْعِد مصر تمامًا عن تركيا. على سبيل المثال، تطبيع بعض دول الخليج علاقاتها مع إسرائيل، وابتعاد الإدارة الأمريكية عن أردوغان، وانحياز دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب اليونان، إلخ.
* ثالثًا، لا يوجد ما يدعو إلى عودة مصر إلى جانب تركيا في هذه المرحلة. فلا توجد مشكلة جدية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وعلى الرغم من توتر العلاقات السياسية مع مصر، كما هو الحال مع إسرائيل، تستمر العلاقات الاقتصادية دون انقطاع. لكن على الرغم من كل هذا؛ فإن السياسات التوسعية والمثيرة للتوترات التي تتبعها تركيا قد دفعت دول المنطقة، وعلى رأسها مصر، إلى تشكيل تحالفات جادة. وفي الشهر الماضي، عقد «منتدى الصداقة "فيليا"» الذي شكلته اليونان والإمارات ومصر وقبرص والبحرين والسعودية اجتماعه الأول. كما تمت دعوة فرنسا والعراق والأردن لحضور الاجتماع الأول في أثينا. إلى جانب ذلك؛ جرى عقد العديد من القمم بين اليونان ومصر وقبرص من قبل، وشاركت إسرائيل أحيانًا في هذه الاجتماعات. كما يجمع منتدى «غاز شرق البحر الأبيض المتوسط»، الذي يتخذ من القاهرة مقراً له، دولاً مناهضة لتركيا في سياساتها.

كان جاويش أوغلو قد زعم، خلال تصريحاته الأخيرة، أن مصر راعت في المناقصات التي أطلقتها الشهر الماضي بشأن أنشطة التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في البحر المتوسط الجرف القاري التركي فيما يتعلق بالقطعة رقم 18 المتنازع عليها، مردفًا، «عندما وقعت مصر اتفاقية مع اليونان، احترمت الحدود الجنوبية لجرفنا القاري، والتي سجلناها أيضًا لدى الأمم المتحدة. نحن نرى هذا في الاتفاقية. الآن، بالطبع، دون دخول جرفنا القاري، تواصل أنشطتها مثل البحث السيزمي أو الترخيص داخل جرفها القاري، مع الاستمرار في احترام جرفنا القاري. نحن نرى في ذلك أمرًا إيجابيًا».
يحتاج كل من جاويش أوغلو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشدة إلى دعم مصر لإنهاء وحدتهما في المنطقة، ولذلك غالبًا ما يتخذان خطوات لجذب القاهرة إلى جانبهما. فقد جادل أردوغان مرارًا وتكرارًا بأنهم أجروا محادثات على مستوى الاستخبارات مع مصر، لكنه، وبرغم ذلك، لم يتلق أي رد إيجابي من مصر.
إن من يركز في تصريحات الجانب التركي، يُلاحِظ أنها موجهة إلى الرأي العام التركي المحلي أكثر منه إلى مصر. ومثلما لا تلقى الأخبار التي تقدمها وسائل الإعلام التركية أي أصداء دولية، فإن مصر لا تعطي من جانبها أي رد إيجابي تجاه تلك التصريحات.


وفي الختام؛ علينا أن نؤكد أنه لا يوجد أي مؤشر على معارضة مصر لليونان ووقوفها إلى جانب تركيا في ظل الظروف الحالية. لكن بالطبع إذا كانت هناك ظروف طبيعية؛ فإن العلاقات الوثيقة بين مصر وتركيا من الممكن جدًا أن تقدم مساهمات هائلة لكلا البلدين. فكلا البلدين هما الأكبر في الشرق الأوسط ومجال نفوذهما واسع للغاية.
ومع ذلك، فإن نظرة أردوغان الأيديولوجية للأحداث، ومحاولته جعل السياسة الخارجية مادة للسياسة الداخلية، وحلمه الغريب بالعثمانية، وتصوير نفسه على أنه زعيم العالم الإسلامي، ومطالبته بحقوقه من ذلك المنطلق على حساب ثروات الدول العربية، واستغلاله الظلم الذي ارتكبته في الماضي ولازالت ترتكبه الدول الغربية في الحاضر بحق الدول العربية بغية تحقيق ذلك، يعد كل ذلك أيضًا من بين الأسباب الرئيسية لابتعاد مصر عن تركيا.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع