«الوطن الأزرق».. «هراء» تستغله تركيا لنهب موارد المنطقة

هراء الوطن الأزرق

هراء الوطن الأزرق

إن مصطلح «الوطن الأزرق» أو ما يعرف في تركيا بــ«مافي وطن» هو امتداد لحالة العبثية والهراء التي تعيشها تركيا في الداخل المحلي، ولكن هذه المرة على المستوى الدولي.

ففي الوقت الذي رأينا فيه مصطلحات مثل «السياسي الوطني»، «المدير العام الوطني»، «صناعة الفضاء المحلية والوطنية» و«الفنانون المحليون والوطنيون» تنتشر على الساحة التركية، وجد الجمهور والرأي العام التركي أيضًا نفسه أولاً أمام مصطلح «الوطن الأزرق»، ومن ثم «الفضاء الأزرق». والغرض من كل هذه المصطلحات والمفاهيم والخطابات هو قمع وترهيب وتخويف الخصوم والمنافسين. خلاف ذلك، هذه المفاهيم ليس لها نظير أخلاقي أو منطقي أو قانوني.

لقد جرى طرح مفهوم أو عقيدة «الوطن الأزرق» بصورة مستمرة على جدول الأعمال العام التركي بعد توقيع اتفاقية ترسيم حدود الاختصاص البحري بين تركيا وليبيا. وعلى الرغم من أن تاريخ ذلك المفهوم يعود إلى أبعد من ذلك بقليل ويُزعم أن صاحبه وأول من طرحه هو الأدميرال التركي المتقاعد التابع لأرجنكون، جيم جوردانيز، إلا أن هذا المفهوم أصبح مرتبطًا بجهاد يايجي، رئيس أركان قيادة القوات البحرية.

 

استعراض القوة

بعد عام 2015، بدأت تركيا في استعراض القوة، بخاصة في شرق المتوسط وضد دول المنطقة، لا سيما اليونان وقبرص، استنادًا على ذلك المفهوم الذي يلعب دورًا نشطًا في تنفيذ استراتيجيتها القائمة على القوة العسكرية في المناطق البحرية. إلا أن الاتفاقية الموقعة مع ليبيا في 27 نوفمبر 2019 كجزء من هذه العقيدة تسببت في حدوث استياء كبير بين دول المنطقة. ولم يقتصر الأمر على اليونان وقبرص فقط، بل بدأت دول مثل مصر وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا أيضًا في تشكيل تحالفات إقليمية مناوئة لتركيا بصورة سريعة.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت تركيا بين الحين والآخر بتحركات من شأنها زيادة التوتر في المنطقة بحجة البحث عن رواسب هيدروكربونية داخل الحدود البحرية التي رسمتها متجاهلة مئات الجزر اليونانية، واتجهت للتنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة ترافقها في ذلك السفن الحربية. وعلى الرغم من أن دولًا مثل قبرص وإسرائيل ومصر تجد تريليونات الأمتار المكعبة من الموارد في شرق البحر الأبيض المتوسط، إلا أن تركيا لم تتمكن حتى الآن من العثور على أي مورد في المنطقة.

أي عائد يمكن أن يعود على تركيا من هراءٍ يسمى «الوطن الأزرق»؟ هل تستطيع أنقرة زيادة نفوذها في المنطقة بمثل هذه المفاهيم والعقائد؟

الإجابة على هذه الأسئلة بسيطة للغاية. فعلى الرغم من أن تركيا قوية في منطقتها، إلا أن هذه القوة ليست ذات قيمة كبيرة في مواجهة الجهات الدولية الفاعلة. إذ تتحرك تركيا وكأنه في مواجهتها اليونان وقبرص فقط، وهذه الاستراتيجية أبقت المشاكل في المنطقة معلقة لسنوات. وبما أن هذا الوضع الراهن لم يخلق توترًا، فلم يؤخذ على محمل الجد في المجتمع الدولي.

لكن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها تركيا تسببت في انخراط جهات فاعلة أخرى في المعادلة. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لا تهدد الجرف القاري أو المناطق الاقتصادية الخالصة لإسرائيل ومصر، إلا أن استعراض تركيا للقوة يثير حتمًا مخاوف في هذه البلدان. وعلى وجه الخصوص، دفعت علاقات تركيا الوثيقة مع الإخوان المسلمين والأنشطة التي تنفذها في ليبيا، الدولة المصرية إلى التحرك رفقة اليونان.

كما يدفع دعم إسرائيل لهذا التحالف الجهات الفاعلة على المستوى العالمي مثل الولايات المتحدة وفرنسا، إلى التركيز بشكل أكبر على المنطقة. ولا شك أن تركيز العديد من الجهات الفاعلة على المنطقة لا يعد بأي حال من الأحوال ميزة لتركيا.

الحليف الوحيد لتركيا في المنطقة هي حكومة الوفاق الوطني الليبية، صاحبة الغد المجهول، والتي تتخذ من العاصمة  طرابلس مقرًا لها. وفي حال اتفاق هذه الحكومة مع حكومة المنطقة الشرقية، التي تتخذ من طبرق مقرًا لها، فلا شك أن الاتفاقية التي عقدتها مع تركيا ستكون واحدة من أولى الموضوعات المظروحة على الطاولة. وانطلاقًا من الواقع الحالي، يمكننا القول إنه من غير المرجح أن تظل الاتفاقية سارية المفعول. كما أن إدارة أردوغان ستخلق مشاكل مستقبلية ضخمة لتركيا بسبب سياساتها التي تفتح الباب أمام إنتاج أعداء جدد في الداخل والخارج.

إن شيئًا مثل حصول تركيا على الدعم في المجتمع الدولي لا يبدو ممكنًا في الوقت الحالي في ظل الوضع الراهن للاقتصاد التركي مع وجود قيادة مستبدة لا تحظى بشعبية. وستحدد قمة قادة الاتحاد الأوروبي نهاية الشهر الجاري، والمسار الذي ستسلكه إدارة بايدن الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات مع تركيا خلال الفترة القادمة حدود السياسة الخارجية لأردوغان.

وختامًا علينا القول إن إعطاء هذه الدول أردوغان المزيد من الوقت لن يعود بأي حال من الأحوال بالفائدة على المجتمع الدولي أو الشعب التركي. إذ يستخدم أردوغان أساليب مختلفة في الداخل والخارج لإطالة عمره السياسي، وأهم هذه الجهود هي محاولاته للظهور بمظهر ديمقراطي. وبلا أدنى شك؛ فإن خطة العمل الخاصة بحقوق الإنسان، التي نُشِرَت في 2 مارس الفارط، هي أيضًا جزء من هذه الجهود، فالرأي العام الدولي يعرف أن أردوغان لا يستطيع العودة إلى المسار الديمقراطي، بل هو مجبر علي أن يظل سلطويًا ومستبدًا، وقد يرتكب أخطاءً أكثر.

لذلك، فإن هراء الوطن الأزرق هو حجة أردوغان التي لطالما يلجأ إليها ويطرحها على جدول الأعمال كلما ضاقت عليه الأمور واشتدت في الداخل التركي. إذ إن الحدود الوهمية المرسومة باعتبارها «الوطن الأزرق» تنعكس داخل الرأي العام التركي على أساس أنها حدود تركيا البحرية. لكن بالطبع فإن أي حدود لا تلقى اعترافًا وقبولاً دوليًا ليست ضمن حدود تركيا. ولا يبدو أنه من الممكن حدوث ذلك في ظل هذه الظروف.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع