العلاقات التركية الصينية.. العرب ليسوا بعيداً

ghk

ghk

د. أيمن سمير

ظلت علاقات تركيا بالصين سيئة منذ دخول أنقرة  لحلف الناتو عام 1952 ، وكما كانت تركيا " دولة وظيفية " طوال فترة الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة ضد روسيا وحلف وارسو ، ظلت تركيا أيضاً ضد الصين كنوع من الاصطفاف مع الولايات المتحدة التي لم تعترف بالصين إلا عام 1979 ، ورغم قيام علاقات دبلوماسية بين بكين وأنقرة عام 1971 إلا أن العلاقات بدأت في التحسن في تسعينات القرن الماضي عندما ظهرت المشكلة الكردية بشكل حاد داخل تركيا، وتراجع الدور الوظيفي التركي بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ، كل ذلك أدى إلى أن يتجه الغرب نحو تقييد حصول تركيا على السلاح ، وهو ما دفع أنقرة للبحث عن أسواق جديدة للسلاح ، وكانت الصين أحد هذه الأسواق

وحاولت الصين أن تقترب من تركيا وأدخلتها كــ" شريك"  في الحوار في منظمة شنغهاي للتعاون ، وهي منظمة إقليمية متعددة الأطراف تقودها الصين وروسيا ، وبعدها  قام الرئيس الصيني شي جين بينج بزيارة لتركيا عام 2012

 لكن المشروع التركي الجديد الذي قاده في البداية رجب أردوغان وأستاذه فتح الله جولن كان يقوم في الأساس على ربط تركيا بالدول الناطقة بالتركية في أسيا الوسطى ، وهذا الأمر هو سبب الخلاف الرئيسي بين أردوغان وفتح الله جولن ، فبينما أراد الأول الانفتاح والاهتمام بالمنطقة العربية والشرق الأوسط كانت رؤية فتح الله جولن أن مشروع تركيا الرئيسي في أسيا الوسطى وليس مع أوربا أو حتى العرب ، وشكل هذا التوجه في السياسة التركية قلق شديد للصين التي تعلم نوايا تركيا تجاه إقليم شينجيانج الصيني،  والذي يطلق عليه بالتركية " تركستان الشرقية " ، وهو من أهم الأقاليم الصينية ويقع غرب الصين وسكانه من المسلمون الأويجور ، وعددهم يزيد عن 50 مليون نسمة ، وسبب القلق الصيني أن بكين تعلم أن تركيا سواء بزعامة أردوغان - جولن في السابق،  أو أردوغان – بهجلي في الوقت الحالي ، تعمل على فصل إقليم  شينجيانج عن الصين ، وهو أمر كفيل بتقسيم الصين إلى عدد من الدويلات حيث ترغب أقاليم أخرى في الانفصال مثل تايوان وهونج كونج والتبت ومكاو بالإضافة إلى شينجيانج

وتستضيف تركيا ملايين الأويجوريين الصينيين كورقة سياسية للضغط بها على الصين التي حكمت تركستان الشرقية منذ عهد أسرة الزعيم الصيني تشينج في القرن التاسع عشر، بينما يعود النفوذ التركي على الأويجور عندما حاول السلاطين العثمانيين ضم مناطق شينجيانج إلى نفوذهم ، ففي عام 1873 أرسل السلطان عبد العزيز الأسلحة والمقاتلين إلى الأويجوريين لتأليب تمرد واسع ضد حكم أسرة  تشينج، لكن هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى وتقزيم الأراضي التي تسيطر عليها في اتفاقية سيفر عام 1920 ، ثم توقيعها على اتفاقية لوزان عام 1923 ساعد الصين على دمج مناطق الأويجور مع التنين الصيني بشكل كامل وصريح بداية من عام 1949 في عهد ماوتسي تونج

واليوم يزيد التوتر بين أنقرة وبكين لأسباب كثيرة منها أن الصين تقف أمام طموحات تركيا في آسيا الوسطى ، بينما يرى الرئيس التركي أن نفوذ تركيا في الدول الناطقة بالتركية أمر طبيعي ، لذلك يتنافس مشروع " الحزام والطريق " الذي أطلقة الرئيس شي جين بينج في عام 2013 مع مشروع " آسيا الجديدة " التركي الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية بالتعاون مع الحزب القومي التركي بزعامة دولت بهجلي

 وفي عهد أردوغان زادت تركيا من دعمها القوي للأويجور، ففي عام 2009 وصف أردوغان في اجتماع لحزب العدالة والتنمية السياسات الصينية في شينجيانج بأنها "إبادة جماعية" ، وهو ما شكل أكبر تحدى للرئيس الصيني شي جين بينج، مما دفعه للرد على الأويجور ، وإرساله آلاف الأشخاص من هذه الأقلية إلى "معسكرات إعادة التعليم"

 

أمريكا والقيادة من الخلف

ومع أن أمريكا كانت حاضرة دوماً في المشهد التركي الصيني في أسيا الوسطى إلا أن وضع الرئيس دونالد ترامب للصين " كمنافس إستراتيجي " للولايات المتحدة منذ عام 2016 ، وتكرار نفس الأمر مع إدارة بايدن التي ترى في الصين " العدو الأول"  للولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تركيا في " قلب المعركة " بين الولايات المتحدة والصين ، فما هي أوراق الضغط وعوامل القوة التي بيد الصين ضد تركيا ؟ وهل سيعيد الغرب وحلف الناتو كتابة " عقد عمل " جديد لتركيا لتعمل من جديد " كدولة وظيفية " لكن هذه المرة ضد الصين ؟ وماذا عن خيارات الدول العربية في هذا الصراع ؟ وهل من فرصة وسط كل تلك التحديات ؟

 

خيارات تركية

1-ترى تركيا في زيادة الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لإقليم تركستان الشرقية بالنسبة للصين ورقة ضغط جديدة على بكين ، لان هذا الإقليم  أصبح اليوم نافذة الصين على الغرب ، ولا تتحمل بكين أي قلاقل أو تمرد جديد هناك ، وتستفيد تركيا من الاهتمام العالمي بإقليم  شينجيانج الذي أصبح محور الخلافات الصينية الغربية حيث فرضت الولايات المتحدة وكندا ودول الإتحاد الأوربي عقوبات على مسئولين وشركات صينية بسبب ملف حقوق الإنسان في الإقليم ، وهنا جاء دور تركيا التي لها علاقات قديمة وقوية مع الإقليم حيث بدأت أنقرة تستقبل مزيد من المتمردين الاويجوريين وتحرضهم ضد الدولة والمؤسسات الصينية بدعم كامل من الدول الغربية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة

2-زادت الثقة التركية في استغلال ورقة الأويجور ضد الصين بالتزامن مع الحملة الغربية ضد الصين واتهامها بأنها تسعى لمنافسة الولايات المتحدة على الساحة العالمية، ويكفي أن الدليل المبدئي لإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي صدرت في شهر مارس 2021  تحدث عن خطر الصين 18 مرة ، وهي فرصة لا تريد أنقرة أن تفوتها إما بالضغط على الصين أو بابتزازها والحصول على دعم اقتصادي لليرة التركية التي تعاني منذ 2018

3- تنشط المخابرات الأمريكية والتركية وسط الآلاف من الأويجوريين في تركيا لتفعيل التمرد في الداخل الصيني ، وخلق بيئة معادية للدولة الصينية في إقليم تركستان الشرقية ، وهناك اعتقاد راسخ لدى الصين أن كل العناصر الأويجورية التي قامت بعمليات إرهابية ضد مؤسسات الدولة الصينية في تركستان الشرقية  تلقت دعماً لوجستياً سواء من تركيا بشكل مباشر أو من المخابرات الأمريكية والغربية على الأراضي التركية

4- تعتمد الخطط الأمريكية في إضعاف الصين على " توظيف تركيا"  في خلق " مظلومية الأويجور " ولهذا تنشط واشنطن وأنقرة وسط شعوب دول " المجلس التركي" الذي يضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزيا وأوزبكستان، من أجل الوقوف أمام  الصين ، وتعتمد الإستراتيجية الأمريكية التركية الجديدة على " السيناريو الأفغاني " الذي تعاملوا به مع الإتحاد السوفيتي عقب  احتلاله لأفغانستان عام 1979 حيث لم تطلق واشنطن رصاصة واحدة أو ترسل جندي واحد إلى أفغانستان ، وبعد 10 سنوات خرج الإتحاد السوفيتي من أفغانستان مهزوماً ، وانهار حلف وارسو عام 1990 ، واليوم يقوم هذا السيناريو على توظيف 200 مليون شاب في الدول الناطقة بالتركية " دول المجلس التركي " ، والتي يبلغ ناتجها السنوي 2 تريليون دولار لبدء جبهة استنزاف جديدة للصين في إقليم تركستان الشرقية من خلال خلق " بيئة سياسية معادية " للصين وسط كل هذه الشعوب الناطقة بالتركية، وتعرض واشنطن على أنقرة مقابل القيام بهذا الدور أن تكون تركيا " أحد ورش التصنيع"  في العالم لتحل محل الصين كورشة للصناعات العالمية ، وترى تركيا في هذا الدور الجديد حل لكل مشاكلها ، فهو يحقق لها العمل على مشروع الإتحاد التركي الذي يحلم به الإسلاميين والقوميين معاً ، وفي نفس الوقت يحل كل مشاكل تركيا الاقتصادية لأنه يمكن أن يضيف 300 مليار دولار للاقتصاد التركي ، وبدأت بذور هذا المشروع في عهد دونالد ترامب الذي أراد توقيع اتفاقية للتجارة الحرة بـ 100 مليار دولار مع تركيا ، لكن الصفقة انهارت بسبب بعض الأخطاء من أردوغان

5- تقدم تركيا نفسها لشعوب أسيا الوسطى أنها البديل عن القوتين المهيمنين في المنطقة " آسيا الوسطى "  وهما الصين وروسيا ، وهذا الطرح يجد له داعمين كبار، ومن ابرز داعمي هذا المشروع الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي التي تعمل في المقام الأول على إضعاف روسيا والصين معاً

6- نجحت تركيا بالتعاون مع المخابرات الأمريكية والغربية في استغلال بيئة الحرب في سوريا وإدخال آلاف الإويجوريين الصينيين للقتال مع التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة في إدلب وشمال سوريا ، ويشكل الإرهابيون الصينيون الآن " الكتلة الأكبر " من المقاتلين في شمال سوريا تحت لافتة " الحزب الإسلامي التركستاني " في إدلب، وخلال السنوات العشر الأخيرة اكتسب هؤلاء الإرهابيون الصينيون خبرات قتالية عالية تخشى الصين من عودتهم مرة أخرى إلى تركستان الشرقية ، وتشرف تركيا بشكل مباشر على ما يسمى بالجيش الإسلامي التركستاني واستعانت بعدد قليل منهم في ليبيا وناجورنو كارباخ ، وهذا هو ما دفع الصين لاستخدام حق النقض " الفيتو " 12 مرة في مجلس الأمن لحماية الحكومة السورية منذ اندلاع الأحداث في سوريا 2011 ، فحقيقة الموقف الصيني ليس دعماً لسوريا بقدر ما هو موجه ضد تركيا التي ترعى مخابراتها المقاتلين الصينيين في إدلب ، وتشير التقديرات المختلفة أن هناك 7 ألاف مقاتل صيني أويجوري في شمال سوريا

7- تسوق تركيا لنفسها بأنها كانت وراء الانتصار الذي حققته أذربيجان على أرمينيا في نزاعهما حول ناجورنو كارباخ، وتحاول تركيا في الوقت الحالي تسويق هذا الأمر على أنها قدرة تركية على تقديم دعم أمني لكل دول الإتحاد التركي ، لكن انهيار الليرة، وارتفاع التضخم ، والخلافات السياسية الداخلية مع الأحزاب المعارضة يضعف من الرواية التركية ، وتسعى تركيا من خلال تسويق هذا النصر المشكوك فيه إلى تشجيع شعوب الإتحاد التركي على تحدي الصين

 

أوراق صينية :

1-تشكل أراضي دول الاتحاد التركي " المجلس التركي "  مساحة للمواجهة ليس فقط بين الصين وتركيا ، لكنها بين الصين وروسيا من جانب ، وتركيا من جانب أخر ، وهذا الأمر ليس في صالح تركيا ، ففي هذه المنطقة تواجه أنقرة روسيا التي لديها 6500 رأس نووي ، كما تتنازع تركيا مع الصين التي تنتج 13.5 تريليون دولار ، في حين لا يزيد الاقتصاد التركي عن 700 مليار دولار، وبالتالي هذه المعادلة العسكرية والسياسية والاقتصادية ليست في صالح تركيا على الإطلاق ، ففي أحسن الأحوال بالنسبة لتركيا أن تتبني روسيا سياسة " شراكة متوازنة "  مع كل من الصين وتركيا ، وحتى في هذه المعادلة لن تكون في صالح تركيا ، وساهمت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أتبعها الرئيس السابق دونالد ترامب ومن بعده الرئيس الحالي الرئيس بايدن،  والتي وضعت كلا من " روسيا والصين " في خانة أعداء أمريكا في خلق حالة من التقارب الإستراتيجي بين روسيا وبكين ، وهذا التقارب الروسي الصيني يصب لصالح الصين نظراً للصراع الروسي التركي على مناطق أسيا الوسطى ، وقلق روسيا من دعم أنقرة للمجموعات الإرهابية سواء شمال القوقاز أو جنوبه ، وترى كلا من الصين وروسيا أن نشاط تركيا في المنطقة يأتي في إطار الدور الوظيفي التركي لصالح الولايات المتحدة الذي تلعبه أنقره منذ انضمامها لحلف الناتو عام 1952

2- رغم الحنين للعلاقات الثقافية بين تركيا ودول المجلس التركي إلا أن غالبية الدول الناطقة بالتركية ما زالت حتى اليوم تتعامل ببراجماتية ، وتبحث عن مصالحها الاقتصادية مع الصين ، ولهذا تميل حكومات دول المجلس التركي للاشتراك في مشروع " الحزام والطريق الصيني "  ومحاولتها الحفاظ على قدر من المصالح أيضاً مع تركيا وهو أمر تتفهمه الصين ولا تعارضه، و يشكل مشروع الحزام والطريق وإنفاق الصين مليارات الدولارات في مناطق قريبة من دول المجلس التركي  حافز  قوى لدعم علاقات الصين بدول آسيا الوسطى

3- شكلت الاتفاقية الإستراتيجية الصينية الإيرانية الجديدة والتي تمتد 25 عاماً،  وتستثمر فيها الصين 450 مليار دولار في إيران ، إضافة جديدة للتفوق الصيني على نظيره التركي في أسيا الوسطى ، وهذه الاتفاقية ستضيف للحضور الاقتصادي الصيني بعد جيوسياسي جديد حيث تسمح الاتفاقية للصين ببناء واستغلال مطارات وموانئ عسكرية إيرانية في الخليج العربي وبحر العرب ، وستكون الصين قريبة جداً من تركيا في محاور جديدة أبرزها سوريا والعراق ولبنان واليمن عبر البوابة الإيرانية، ومعروف أن إيران حققت مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة في منطقة آسيا الوسطى خاصة في الجمهوريات التي تتحدث الفارسية مثل طاجاكستان وأفغانستان،  وهي دول تجاور دول المجلس التركي التي تتحدث التركية ولها علاقات وثيقة مع تركيا

5- تملك الصين نظرياً خيار دعم تركيا اقتصاديا مقابل تخلي أردوغان عن مشرع الإتحاد التركي ضد الصين ، فالصين استبدلت مليار دولار لتركيا مقابل الليرة التركية لدعم العملة التركية بداية منذ 2018 ، لكن ما تزال تركيا تعتمد بشكل رئيسي على أوربا والولايات المتحدة اقتصاديا ، وفي عام 2018 استوردت تركيا من الصين بــ19.4 مليار دولار، بينما بلغت صادراتها إليها 2.7 مليار دولار فقط. وعلى الرغم من ارتفاع الحصة التجارية التركية مع الدول غير الغربية إلى حوالي 30 % ،إلا أن الاتحاد الأوروبي ظل يمثل 42 % من تجارة البلاد في 2019 ، مقارنة بـ 6 % فقط مع الصين ، كما أن استمرار عمل تركيا ضد الصين سيحرم أنقرة من دعم الصين لمشروع "خط وسط قزوين" الذي يعتبر أحد أهم أقسام مشروع " باكو - تبليسي - قارص " للسكك الحديد، وهو أحد محاور مبادرة الطريق والحرير ، لأنه يصل بين الصين وتركيا مروراً بجورجيا وأذربيجان ، وعبور بحر قزوين بالعبارات ، ومنها إلى تركمانستان وكازاخستان ثم أفغانستان وباكستان

6- تشكل الخلافات التركية مع روسيا والدول الأوربية والولايات المتحدة ، بالإضافة على التوتر بين تركيا وغالبية الدول العربية ، ونزاعاتها حول الطاقة مع قبرص واليونان ، يشكل كل ذلك عوامل ضغط على أنقرة لصالح الصين التي ستجد الكثير من الحلفاء الذين يصطفون معها نتيجة الخلاف التركي مع الكثيرين سواء في الشرق أو الغرب ، وكل هذا يعزز من ثقة الصين في مواجهة ورفض المخطط التركي في دول أسيا الوسطى وخاصة الدول التي يطلق عليها " المجلس التركي "

7- تتحكم الصين وحليفتها روسيا في عدد من المنظمات الإقليمية الآسيوية التي يتوق أردوغان للانضمام إليها في حال وجود قرار نهائي ورسمي برفض دخول تركيا للإتحاد الأوربي ، ومع الخلافات الدائمة بين تركيا وحلف الناتو يسعى أردوغان لدخول هذه المنظمات الإقليمية التي تتمتع فيها الصين باليد العليا ، فمنذ فترة طويلة وتبدي تركيا اهتماما بالانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي أشار إردوغان أكثر من مرة وسط التوتر مع الغرب وحلف الناتو إلى إمكانية أن تتوجه تركيا للانضمام إليها، كما أجرت تركيا ولفترات طويلة مباحثات مع الصين في إطار منظمة التعاون الفضائي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبسكو)، وتسعى أنقرة لتعميق هذا التعاون خلال الفترة المقبلة، وهو ما يعطي فرصة كبيرة للصين لإبعاد تركيا عن الغرب ، وتحييد تركيا في صراع الدولة الصينية مع المتمردين

 

سيناريوهات

السيناريو الأول : العداء السافر بين تركيا والصين

 ويقوم هذا السيناريو على تحقيق مقاربة أمريكية غربية مع تركيا تعمل أنقرة على أثرها بالتحول الكامل من الخطاب المعتدل الذي شهدته خلال السنوات الماضية مع الصين إلى خطاب عدائي ، ويكون الخلاف التركي مع الصين ومن خلفها دول المجلس التركي أحد  محاور " حزام النار " الذي تريد الولايات المتحدة فرضه على الحدود الصينية مع جيرانها الآسيويين ، وسوف يتحدد هذا السيناريو عندما يجلس أردوغان والرئيس بايدن وجهاً لوجه في يوليو القادم عندما يجتمع الزعيمين على هامش قمة الناتو ، ومن غير المرجح أن يؤثر اعتراف الرئيس بايدن بالإبادة الجماعية التركية بحق الأرمن عام 1915  في توجهات  واشنطن أو أنقرة  في التعامل بهذا السيناريو ، وفي تقديري لا تزيد نسبة هذا السيناريو عن 25 %

 

السيناريو الثاني : نسيان الحلم التركي

ويعتمد على أن تركيا غير مؤهلة اقتصاديا للصراع مع الصين ومن خلفها روسيا في ظل توتر العلاقات التركية مع أوربا والولايات المتحدة ، وفقدان انقره لنفوذها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وهو ما يدفع تركيا للبحث عن المصالح الاقتصادية مع الصين ، والتعاون مع بكين في مشروعات مبادرة الحزام والطريق ، هو ما سيسمح بتدفق الأموال الصينية على تركيا سواء لدعم الليرة أو الاستثمار في البنية التحتية أو استقبال مزيد من الواردات التركية للسوق الصيني ، ويمكن أن يوصف هذا السيناريو بالمثالي للصين وتركيا في آن واحد ، فالصين بهذه السيناريو  ستنزع ورقة مهمة من يد الولايات المتحدة والناتو تم استغلالها وتوظيفها ضد كل أعداء أمريكا خلال الثمانين عاماً الماضية  ، ومن شأن ذلك أن يسهل الأمر على الصين في منطقة آسيا الوسطى ليس فقط ما يتعلق بالأوضاع الأمنية والاستقرار في تركستان الشرقية بل بقبول عام للمشروعات الصينية في دول المجلس التركي ، وفي كل الدول من حدود غرب الصين حتى جنوب أوربا ومنطقة البلقان ، ويمكن أن يتحقق هذا السيناريو عبر تقليل الروايات الإعلامية والخطب السياسية التي تتناول مآسي الأويجوريين في الإعلام التركي  ، واستئناف التعاون بين الوزارات التركية ونظيرتها الصينية من أجل تفعيل البرتوكولات والاتفاقيات التي تم توقيعها من قبل ، ولا تتعدى نسبة هذا السيناريو 25 %

 

السيناريو الثالث : اللعب على المتناقضات " لعبة البالية "

وهو سيناريو يعتمد عليه اردوغان منذ فترة طويلة خاصة في العلاقة مع واشنطن وموسكو ، وقد تغريه التجربة أن يكررها مرة أخرى بين واشنطن وبكين ، ففي الوقت الذي تحافظ تركيا على وجودها في حلف الناتو إلا أنها قامت بشراء منظومة " أس400 " الروسية ، وهو ما يهدد قوات وطائرات حلف الناتو  ، وقد تسعى تركيا لتكرار سيناريو " لعبة البالية " بوضع قدم مع الصين ، والقدم الأخرى مع الولايات المتحدة من خلال السعي لكسب مصالح اقتصادية مع الصين ، وعدم إعلان العداء السافر لها ، مع بقاء دفاعها عن الاويجور ، ودعم دول المجلس التركي انتظاراً لكبوة أمريكية أو مصالح صينية ، وسبق أن حاولت تركيا في عهد اردوغان أن تستفيد من هذا التناقض، ففي عام 2013، بدت العلاقات بين الصين وتركيا مؤهلة للمضي قدماً عندما أعلنت تركيا عن خطط لشراء نظام دفاع صاروخي من الصين من شركة خاضعة لعقوبات أميركية إلا أن الخطوة لم تفضِ في النهاية إلى شيء؛ ففي عام 2015، تم إلغاء الصفقة بسبب الاحتجاجات الغربية ورفض حلف الناتو والمشكلات التعاقدية ، وهي نفس الذهنية التي يتصرف بها أردوغان هذه الفترة عندما تعاقد على شراء منظومة " أس 400 " الروسية ولم يتم تفعيلها حتى الآن ، لان الهدف هو اللعب على كل الأحبال ، لكل ذلك تدرك الصين أن رغبة تركيا في تعزيز العلاقات معها لا تعبر عن رغبة حقيقية لدى أنقرة، وإنما هي مجرد ورقة ضغط تستدعيها أنقرة كلما اقتضت الضرورة، وأن أنقره تلجأ إلى تعزيز علاقاتها مع بكين بالتزامن مع توتر علاقاتها مع الغرب، سواء الولايات المتحدة أو أوروبا ، وتصل نسبة هذا السيناريو إلى 35 % ، وهو السيناريو الأعلى بين السيناريوهات الثلاث

 

السيناريو الرابع : الأصدقاء المشتركين  

ونسبة هذا السيناريو لا تتعدى 15 % ، ويقوم على أن الأصدقاء المشتركين بين البلدين يمكن أن يحافظوا على المساحة الحالية من العلاقة بين أنقرة وبكين في المساحات المشتركة دون أي التزام جديد على الصين أو تركيا ، وخير مثال لهذه الدولة هي باكستان التي تتمتع بصداقة وعلاقة قوية مع تركيا والصين في آن واحد  تركيا ، ويدعم هذا السيناريو توافق السياسة التركية الصينية في ملف سياسي وحيد هو دعم باكستان في قضية جامو وكشمير ضد الهند، فالصين بحكم منافستها للهند تميل لدعم دور باكستان الإقليمي، وترغب في تحجيم الدور الهندي في القارة، وهو ما استتبع دعم الصين لباكستان في ملف كشمير. أما تركيا التي تسعى لكسب دعم مسلمي آسيا الوسطى تميل إلى تعزيز دور باكستان ، وتشهد تلك الفترة تقارب غير مسبوق بين الرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني سعياً من تركيا في مرحلة سابقة في تأسيس منظمة للدول الإسلامية بعيداً عن منظمة التعاون الإسلامي التي تقودها السعودية ومقرها في مدينة جدة

 

 خيارات الدول العربية :

1-على مصر والإمارات والسعودية أن تطلب كل شيء من تركيا في حال المصالحة أو تطبيع العلاقات ، فالوضع الإستراتيجي التركي في غاية الضعف مع تقارب الصين وروسيا في آسيا الوسطى ، بالإضافة إلى الخلافات التركية مع أوربا والولايات المتحدة ، لهذا ليس أمام أردوغان إلا التصالح والتقارب مع الدول العربية وفي مقدمتها مصر والإمارات والسعودية ، فتركيا التي خسرت في كل الجبهات ليس أمامها الا الاستجابة لكل المطالب  

  • الحفاظ على علاقة قوية مع الصين بجانب العلاقات العربية الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو ما يعزز وضعية الدول العربية في معادلة العلاقات التركية الصينية ، ويقوي مكانة الدول العربية في خلافاتها القائمة أو المستقبلية مع تركيا
  • خيارات الدول العربية وفي مقدمتها دول الخليج ومصر تنسجم أكثر مع الدولة الصينية التي تهتم بالاستقرار في الشرق الأوسط ضمن أولويات السياسة الصينية الخارجية ، كما ان العلاقات الصينية العربية تعتمد كثيراً على الطاقة والتجارة البينية ، وكلها ملفات تخدم الدول العربية ، وفي نفس الوقت لا تساعد السياسات التركية حتى وقت قريب على تحقيق هذا الاستقرار، وما تزال تركيا هي محور الخلافات في سوريا وليبيا وشمال العراق ومنطقة الساحل والصحراء واسيا الوسطى وجنوب وشمال القوقاز
  • تتفق الدول العربية والصين في رؤيتهم لخطورة الجماعات الإرهابية ، وهي بذلك تقف معاً في خندق واحد مختلف تماماً عن الخندق التركي الذي يرى مشروعة في دعم الجماعات الظلامية والإرهابية ، فبينما تدعم الصين جهد مصر والإمارات والسعودية وغيرها من الدول العربية في مكافحة الإرهاب ، تقوم تركيا بدعم جميع الجماعات الإرهابية، وقضية الإرهاب تقع ضمن أكثر القضايا التي تسبب ضغط على الأمن القومي الصيني  ، ولهذا لعبت الصين دور كبير في توجيه الاتهامات لتركيا بدعم الإرهاب في كثير من الساحات الإقليمية والدولية

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع