مستقبل العلاقات التركية الأوروبية

أيمن سمير

أيمن سمير

دراسة د. أيمن سمير

هناك اتفاق وحيد بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وهو أن العلاقات في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، وصلت لأدنى مستوى لها بين أنقرة وبروكسل منذ دخول تركيا للمجلس الأوروبي عام 1950، ودخولها لحلف الناتو عام 1952، وقبولها ضمن المجموعة الاقتصادية الأوروبية (التي كانت التكتل الأوروبي قبل الاتحاد) في 12 سبتمبر (أيلول) عام 1952.

وتحمل الدول الأوروبية سياسات حزب العدالة والتنمية المسؤولية عن تدهور العلاقات بين بروكسل وأنقرة، ورغم الدعم الاقتصادي الهائل من جانب الاتحاد الأوروبي للاقتصاد التركي منذ عام 2002، إلا أن تركيا خلال العقدين الماضيين كانت تبتعد أكثر عن عضوية الاتحاد الأوروبي على خلفية نزاعات وخلافات بين تركيا وبعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وهولندا والنمسا وقبرص واليونان، ناهيك عن الخلافات بين أنقرة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي التي ترفض السلوك التركي في مجال الملاذات الضريبة أو حقوق الإنسان، أو دعم التطرف والإرهاب على أراضي الاتحاد الأوروبي.

وسجلت سياسات الرئيس التركي في العامين الماضيين «مساحات جديدة» من الخلاف بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، خاصة بسبب اللغة العدائية للرئيس التركي ضد قادة وزعماء الدول الأوروبية، وطرح سياسات يعتبرها الأوروبيون لا تتفق مع القيم الأوروبية التي ترفض لغة البندقية والرصاص، وتعتمد لغة الحوار في الخلافات بين 27 دولة هم أعضاء الاتحاد الأوروبي، لكن أردوغان استطاع في أوقات كثيرة أن «يبطل» الإجماع الأوروبي، لأنه اكتسب خبرة في اللعب على «المساحات الرمادية» بين دول الاتحاد، وهو ما جعل هناك جبهتين (حمائم وصقور) يختلفان حول درجة العزم والحسم مع تركيا، وهو الأمر الذي أتاح لتركيا الإفلات في مرات كثيرة من عقوبات كانت في طريقها للتطبيق، فما هي الخلافات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي؟ وكيف استفاد أردوغان من تباين المصالح والمواقف بين «تيار الحزم» و«فريق إعطاء فرصة جديدة» من أجل الإفلات من العقوبات؟ وما هي السيناريوهات المستقبلية لتلك العلاقة بين أنقرة وبروكسل؟ وأين الدول العربية من مساحات الاختلاف والاتفاق بين الجانبين؟

خلافات

دائرة ومساحة الخلافات بين تركيا والاتحاد الأوروبي تزداد كل يوم وخلال العقدين الماضيين من حكم أردوغان، كان الخلافات هي عنوان العلاقات الأوروبية التركية، وكانت فترات الهدوء قليلة للغاية مقارنة بحجم المشاكل التي تغطي قضايا سياسية واقتصادية وأمنية، بل وعسكرية، وأبرز تلك الخلافات ما يلي:

أولاً: الخلافات حول عضوية تركيا في الاتحاد، رغم أن الرئيس التركي قال في مايو (أيار) الماضي إنه متمسك بالعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، إلا أن مسيرة الخلافات الطويلة حول ملف العضوية التركية يؤكد أن هذا الملف من «الملفات الصفرية»، التي لا يمكن إيجاد حلول وسط فيها، حيث يرى الاتحاد الأوروبي أن تركيا تبتعد كل يوم عن أوروبا، خاصة منذ وصول أردوغان للحكم، وهناك من يقول إن فرص تركيا يمكن أن تتحسن للدخول في مفاوضات العضوية الكاملة إذا رحل أردوغان عن السلطة عام 2023، لأن كل دولة في الاتحاد الأوروبي لديها «الفيتو» على دخول الدول الأخرى، ولا يمكن تصور دخول أردوغان للاتحاد الأوروبي في ظل الخلافات الحالية مع قبرص واليونان والنمسا وفرنسا وهولندا، ورغم حصول تركيا في 12 سبتمبر 1963 على وضعية «الشراكة» داخل المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وهو الاسم السابق لدول الاتحاد الأوروبي، إلا أنه تم تجميد الشراكة بعد «الانقلاب العسكري» في تركيا في سبتمبر 1980، وفي عام 1987 قدمت أنقرة رسمياً ترشيحها إلى الاتحاد الأوروبي، لكن تم رفض الطلب التركي بسبب مشاكل اقتصادية، وفي عام 1995 تم التوقيع على اتفاق الاتحاد الجمركي لكن سرعان ما تم تعليقه بعد الشكوى القبرصية اليونانية المشتركة ضد تركيا، وتلخصت الشكوى اليونانية القبرصية في السلوك التركي ونقل مزيد من الجنود الأتراك لشمال قبرص المحتل من جانب تركيا منذ عام 1974، وإعلان جمهورية في شمال قبرص التركية عام 1983 من جانب واحد، وفي نهاية عام 1999 منح الاتحاد الأوروبي، تركيا، وضع «مرشح» بدون تحديد موعد لبدء المفاوضات، وطلبوا منها تحسين وضع حقوق الإنسان وأدائها الاقتصادي، وتبنت أنقرة برنامجًا جديدًا يقوم على إصلاحات سياسية واقتصادية عام 2001، وفي 2002 صوت البرلمان التركي بالأغلبية على إلغاء عقوبة الإعدام ومنح حقوق ثقافية للأكراد، وعندما وصل أردوغان للحكم عام 2003 تبنى فكرة الدخول للاتحاد الأوروبي وعمل على مشروع متنوع ذات دلالات سياسية واقتصادية عام 2005 من أجل تحسين فرص تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، وكان من نتيجة ذلك أن حصلت تركيا على ما سمي وقتها «برتوكول أنقرة»، الذي منح تركيا مميزات اقتصادية هائلة ساعدتها في تحقيق نتائج كبيرة في العقد الأول من حكم أردوغان من خلال توسيع الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، ليشمل 10 دول أوروبية جديدة دخلت الاتحاد الأوروبي عام 2004، وفي نفس العام تم إطلاق مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي رغم معارضة دول كبيرة مثل النمسا وهولندا، وكان التطور الأكبر في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2006، حيث تم فتح أول فصل من 35 فصلًا تفاوضيًّا ضمن مفاوضات الانضمام، وفتح فصل ثانٍ في2007، وعندما حاولت تركيا فتح 5 فصول جديدة ضمن مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي اعترضت ألمانيا وفرنسا واليونان، وكان من شأن فتح تلك الفصول وصول تركيا لمرحلة لا يمكن الرجوع عنها في دخول الاتحاد الأوروبي، وجاء ذلك بسبب رفض تركيا توسع نطاق فوائد اتفاقياتها للتنقل الحر مع التكتل الأوروبي، لتشمل قبرص، وفي عام 2013 تم استئناف المفاوضات لكنها تأخرت بسبب قمع موجة احتجاجات في وسط إسطنبول وانتهاكات تركيا المتواصلة لحقوق الإنسان.

ثانيًا: الخلافات مع اليونان، أبرز الملفات التي تعرقل تسوية الخلافات الأوروبية التركية هو الخلاف التركي اليوناني حول جزر بحر إيجة ومناطق تحليق الطيران والجرف القاري لكلا الدولتين، فتركيا وعن طريق مشروعها «الوطن الأزرق» تحاول السيطرة على جزر بحر إيجة اليونانية، وتدعي أن جرفها القاري يصل إلى هناك، وفي سبيل تحقيق الأهداف التركية تتحدث أنقرة بشكل دائم عن ضرورة تعديل اتفاقية باريس للسلام 1947 التي أعطت السيادة اليونانية الكاملة على جزر بحر إيجة، وهي قضية خلافية لا يمكن لليونان أن تتنازل فيها، بينما تقول تركيا إن قرب هذه الجزر من البر التركي يدفعها للمطالبة بتغيير الحدود البحرية، كما أن عدم التزام تركيا بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لتقسيم ثروات أعالي البحار لعام 1982، وعدم التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة عام 1902 الخاصة بترسيم الجرف القاري تعد محاور للخلافات التركية اليونانية، ومنذ يناير (كانون الثاني) 2001 وحتى يناير 2021 جرى أكثر من 65 جولة مفاوضات استكشافية بين أنقرة وأثينا فشلت جميعها في حل الخلاف التركي اليوناني، وهو ما يلقي بظلاله على الخلاف التركي الأوروبي.

ثالثًا: الخلاف التركي القبرصي، الذي بدأ منذ عام 1974 باحتلال الجيش التركي لشمال قبرص، وتتهم نيقوسيا، أنقرة، بأنها لا تريد حل النزاع في قبرص بعد أن حولت تركيا شمال قبرص لقاعدة عسكرية متقدمة ضد اليونان، حيث يستضيف شمال قبرص الذي يشكل 40 في المائة من الجزيرة القبرصية أكثر من 60 ألف جندي تركي، بالإضافة إلى قاعدة بحرية تركية وقاعدة للطائرات المسيرة جرى تأسيسها حديثاً، وتصل الاتهامات القبرصية لتركيا بنقل الإرهابيين الكبار من سوريا إلى شمال قبرص قبل نقلهم إلى ليبيا، خاصة في الفترة الأولى مما يسمى بالربيع العربي، وجاء مقترح تركيا الأخير بقيام دولتين على جزيرة قبرص بمثابة كشف للغطاء عن الأحلام التركية بضم شمال قبرص لتركيا.

رابعاً: دعم تركيا للجماعات المتطرفة في أوروبا، حيث تتهم الدول الأوروبية، في مقدمتها فرنسا والنمسا وهولندا وألمانيا تتهم تركيا بدعم التطرف والأصولية والجماعات الإرهابية في أوروبا، وهاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من مرة التحالف التركي الإخواني في أوروبا من أجل تأسيس دولة للمتطرفين توازي الجمهورية الفرنسية، مؤكداً أن الجمهورية الفرنسية لا تقبل بالخطاب الأردوغاني الانفصالي، وزار الرئيس ماكرون مدينة تولوز من أجل مناقشة القضايا المتعلقة بمكافحة الانفصالية، وتمويل أماكن العبادة وتدريب الأئمة المتطرفين التي سبق ربطهم من جانب المخابرات الفرنسية بالدعم والتمويل التركي، وفي مدينة تولوز يقع مسجد النور الكبير، وهو أكبر مسجد قيد الإنشاء في فرنسا، وهو ليس للصلاة فقط، بل يخصص مساحة للأنشطة الثقافية السياسية والدعاية للعثمانية الجديدة، وقام هذا المسجد بنشر خريطة لتركيا العثمانية وهي تضم أراضي من الموصل والعراق شرقاً حتى المغرب غرباً، ومن الصومال وإريتريا جنوباً حتى شبة جزيرة القرم شمالاً، وبدأ العمل في هذا عام 2009، ولم ينته بعد، ويدار هذا المسجد من العناصر الاستخباراتية التركية، واعتبر الرئيس ماكرون أن هذا المسجد مصدر لتمويل المتطرفين في فرنسا، حيث تبلغ ميزانيته حوالي 28 مليون يورو سنوياً، وفي عام 2019 طالبت العديد من الأحزاب الرئاسة الفرنسية بضرورة اتخاذ إجراءات ضد نشاط تركيا في الداخل الفرنسي، مسلطين الضوء على هذه الأنشطة التي تدعو للعنف والإرهاب، ومحذرين من التمويل التركي لهذا التنظيم، وتؤكد العديد من التقارير المخابراتية الغربية أن أردوغان عمل منذ وصوله للحكم على تحويل مهمة المساجد في أوروبا للدعاية للعثمانية الجديدة والتجسس على معارضيه، والإنفاق على الخلايا الداعشية الأوروبية، وكشفت تقارير مخابراتية أوروبية حديثة عن قلق الدول الأوروبية من دعم أنقرة للأئمة الأتراك وتمويل «المساجد والجمعيات الإسلامية»، وهو ما دفع الكثير من الدول الأوروبية لإغلاق عدد كبير من المساجد التي يديرها أتراك، والامتناع عن استقبال أئمة جدد من تركيا بعدما تأكد لديها أن الأئمة الأتراك الموجودين يمارسون أنشطة تجسسية لصالح الاستخبارات التركية ويتلقون تمويلًا من تركيا، وفي ألمانيا تعمل تركيا على السيطرة على 2000 مسجد هدفهم التأثير على ما يقرب من 4 ملايين ألماني من أصل 3000 مسجد في ألمانيا منهم 900 مسجد ممول مباشرة من قبل الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الديني (DITIB).

كما تشكل منظمة «الذئاب الرمادية» القومية التركية خطراً كبيراً على الأمن الأوروبي، حيث تعمل في فرنسا والنمسا وألمانيا وبلجيكا، ومن أجل تخفيف هذا الخطر أغلقت النمسا مساجد تابعة للجمعية الدينية العربية بالنمسا التي تدير ستة من المساجد شملها قرار الحكومة بالإغلاق في يونيو (حزيران) 2018، وأصبح وجود الأتراك الموالين لأردوغان عبئًا أمنيًا كبيرًا على أوروبا حيث هناك تقديرات أمنية أوروبية تقول إنه لو قام كل شخص من الملايين الأتراك بمراقبة 500 شخص أوروبي، وهو ما يعنى خطرًا كبيرًا لهذه الجماعات، وهو ما دعا السلطات الألمانية لاتهام اتحاد الأئمة التركي في برلين (ديتيب) بممارسة أعمال استخباراتية لصالح النظام التركي وتلقي تمويلات، وأعلن مسؤولون نمساويون أنهم أغلقوا سبعة مساجد، حيث سبق للمستشار النمساوي سيباستيان كورتز، قوله «لا مكان للمجتمعات الموازية والتطرف في بلادنا».

ووفق الجهات الأمنية الأوروبية، فإن استراتيجية تركيا في أوروبا تتلخص في بناء اقتصاد موازٍ، وتأسيس كيانات اقتصادية ضخمة بالدول المهمة والمؤثرة في العالم، التي تتيح السيطرة عليها على المدى البعيد، وفي أحدث تقرير لهيئة حماية الدستور في ألمانيا تم تصنيف 29 منظمة على أنها منظمات أصولية، وينتمي لهذه المنظمات ما لا يقل عن 37 ألف شخص يدعمون تركيا، وأن جزءاً من عائلات هؤلاء لعبوا دوراً داعماً للأجندة التركية سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو في الخارج.

سادساً: يرفض الاتحاد الأوروبي السلوك التركي في شمال سوريا والعراق بل يدعم الاتحاد الأوروبي الأكراد العراقيين والسوريين الذين لا ينتمون لحزب العمال الكردستاني، ووقف الاتحاد الأوروبي بقوة ضد غزو تركيا لشمال العراق وشمال شرقي سوريا، كما أدانت أوروبا أكثر من مرة «تدخل» تركيا في النزاع في ليبيا، وترى كثير من الدول الأوروبية مثل فرنسا واليونان وقبرص والنمسا أن الوجود التركي وجلب المرتزقة إلى ليبيا من شأنه أن يطيل الأزمة، كما أن هذه الدول قالت أكثر من مرة إنها لا تثق في أردوغان عندما يقول إنه سيسحب قواته والمرتزقة من ليبيا، ولم تدعم أي دولة أوروبية باستثناء ألمانيا الدعوة التركية لإنشاء ما تسميه أنقرة بالمنطقة الآمنة في شمال وشمال شرقي سوريا.

سابعاً: ترفض الدول الأوروبية الدور التركي في إشعال النار والخلاف بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناجونو كارباخ، كما أن هذه الدول دائمًا ما تعبر عن قلقها من السعي التركي الدائم لإشعال الحروب بين أذربيجان وأرمينيا، بل أدانت الدول الأوروبية وخاصة فرنسا «المذابح الجماعية» التركية بحق الأرمن عام 1915 واعتبرتها إبادة جماعية قتل فيها أكثر من مليون أرميني.

ثامناً: ابتزاز أوروبا بورقة اللاجئين، وترفض أوروبا الشكوى التركية الدائمة بأنها لم تلتزم باتفاق عام 2016، وتقول دول مثل اليونان ومقدونيا الشمالية إنها تبذل جهودًا خارقة من أجل وقف موجات الهجرة التي ينظمها حزب العدالة والتنمية التركي برعاية كاملة من الرئيس التركي.

تاسعاً: ملف حقوق الإنسان حيث نعد تركيا هي الدولة الأولى من حيث عدد القضايا المرفوعة في المحكمة الأوروبية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، وسجلت تركيا تراجعًا كاملًا عن كل الالتزامات باحترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء ودولة القانون خاصة منذ 15 يوليو (تموز) 2016، ولعل الانسحاب التركي الأخير من «اتفاقية إسطنبول» التي تحمي حقوق المرأة خير دليل على تراجع كلي لحقوق الإنسان في تركيا، وتتفق الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة الأميركية حول كارثية ملف حقوق الإنسان في تركيا، بما يجعل هذا الملف الذي تتفق فيه أوروبا وأميركا مصدر قلق لأردوغان في عهد إدارة بايدن.

سادساً: الملاذات الضريبية، وهي قضية تفجرت في عام 2019 عندما منح الاتحاد الأوروبي تركيا مهلة عام كامل للوفاء بالتزاماتها بداية من فبراير (شباط) 2020 بعد تمديدها من أكتوبر 2019، لكن أنقرة أصرت على عدم تنفيذ التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية مع الدول الأوروبية، وهو أمر يتعلق بملايين الأتراك، حيث يتمتع ملايين الأتراك الذين يقيمون في أوروبا بالمساعدات الاجتماعية دون التصريح بوضعهم الضريبي داخل تركيا، الأمر الذي تعتبره المؤسسات المالية للاتحاد نوعاً من الملاذ الضريبي توفره أنقرة من أجل كسب عوائد تحويل الأصول نحو الداخل التركي.

مساحات مشتركة

رغم الخلافات الكبيرة والكثيرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، إلا أن هناك مساحات واسعة يمكن العمل فيها، وهي المساحات التي يحاول الاتحاد الأوروبي إبعاد تركيا عن روسيا وتقديم حوافز اقتصادية لها، وتتجلى مساحات التعاون تلك في الملفات التالية:

1 - استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في خروج تركيا من أزمتها الاقتصادية التي أدت إلى تراجع غير مسبوق في سعر الليرة وارتفاع حجم التضخم والبطالة، وتراكم الديون الخارجية التي وصلت إلى 300 مليار دولار خلال عام 2021 فقط، ولهذا يلقي الاتحاد الأوروبي بـ«جرزة» الدعم الاقتصادي من خلال استعداد الاتحاد لتعميق التعاون الاقتصادي مع تركيا، وذلك من خلال زيادة التجارة البينية وإمكانية تحديث الاتحاد الجمركي التركي الذي بدأ العمل به عام 1995، إضافة إلى التعاون في مجالات الصحة العامة، وحرية انتقال الأفراد بين تركيا ودول الاتحاد، والمناخ ومكافحة الإرهاب.

2 - يعد مجال التعاون في مجال الهجرة غير الشرعية ومراقبة الحدود من المجالات التي يمكن أن يستفيد منها الجانبان التركي والأوروبي بما يسمح باستمرار التعاون بين البلدين الذي بدأ منذ عام 2016.

3 - التعاون فيما يسميه الاتحاد الأوروبي بأجندة روسيا، وهو أمر يخدم الأجندتين الأوروبية والتركية، وبعيداً عن كل محاولات التقارب الروسية تجاه تركيا، فإن أنقرة ترى في موسكو العدو التاريخي اللدود، ولهذا تتعاون تركيا مع دول أوروبية للوقوف في وجه روسيا مثل دعم تركيا لخطة حلف الناتو لتقوية دفاعات دول بحر البلطيق الثلاث، ودعم تركيا للجيش البولندي بالطائرات المسيرة، والدعم التركي الكامل لكييف في وجه التفوق الروسي، وهو يخدم الأجندة الأوروبية حتى لو كانت أوكرانيا خارج الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن.

4 - التعاون ضد الأجندة الصينية سواء في أوروبا أو في آسيا الوسطى، وهذه الأجندة مدعومة بشكل كبير من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، فخلال قمة الدول الصناعية الكبرى السبع وقمة الناتو والقمة الأميركية الأوروبية كانت الصين هي الهاجس الأكبر لكل تلك التحديات، وإذا تماهت الأجندة التركية مع نظيرتها الأوروبية ضد النشاط الصيني، سواء في آسيا الوسطي أو الشرق الأوسط أو حتى في أوروبا سيخلق «دورًا وظيفيًا» جديدًا لتركيا لدى دول الاتحاد الأوروبي.

الحمائم والصقور

السبب الوحيد وراء عدم اتخاذ عقوبات رادعة ضد سلوك أردوغان، سواء شرق المتوسط أو دعم الجماعات المتطرفة في الدول الأوروبية أو حتى الابتزاز في قضايا اللاجئين هو الانقسام الأوروبي حيال القضايا التركية وإدراك أردوغان لهذا الانقسام واللعب في «المناطق الرمادية»، وهو ما جعله يفلت من عقوبات كثيرة كانت قاب قوسين أو أدنى من التوقيع من قبل القادة الأوروبيين، وتنقسم دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلى مجموعتين هما:

أولاً: الحمائم

وتضم دول ألمانيا وإيطاليا ومالطا وإسبانيا والمجر، وهذه الدول ضد اتخاذ خطوات رادعة مع تركيا، وتطالب هذه الدول بمنح تركيا مزيداً من الوقت لتعديل سياساتها في المتوسط سوريا والعرق وآسيا الوسطى، وكذلك بشأن قائمة الملاذات الضريبية، وتحاول أن تلعب دور الوساطة بين أثينا وأنقرة، كما تستفيد هذه المجموعة من الدول من موقف حلف شمال الأطلسي الذي لا يزال يراهن على الدور العسكري والأمني التركي، ويقوم موقف هذه الدول على مجموعة من الأسباب ومنها:

1 - قلق هذه الدول من سماح تركيا لآلاف اللاجئين للنفاذ لدول الاتحاد الأوروبي على غرار الموجة الكبرى في عام 2015 وبداية 2016. ورغم عدم التزام تركيا بنصوص وروح اتفاق عام 2016، إلا أن المستشارة ميركل قدمت اتفاقًا جديدًا حول اللاجئين ستحصل تركيا بموجبه على مليارات اليورو من الاتحاد، ومن المرجح أن يتم تحديث شروط اتفاق 2016، وبموجب الاتفاق الجديد يعرض الاتحاد الأوروبي تقديم مساعدات لتركيا بقيمة 6 مليارات يورو (7.1 مليار دولار) لمنع تدفق اللاجئين السوريين.

3 - هناك قلق في ألمانيا من ابتزاز أنقرة لبرلين في قضية الألمان من الأصول التركية، فالأرقام تشير لوجود ما يقرب من 3 إلى 4 ملايين من أصل تركي في ألمانيا، إلى جانب أكثر من مليون شخص من أصل ألماني في تركيا، كما تخشى ألمانيا أن يتكرر ما حدث خلال الانتخابات التشريعية الألمانية في سبتمبر 2017 عندما طلب أردوغان من الأشخاص من أصل تركي عدم التصويت، ناهيك عن وجود مصالح ألمانية في المضايق التركية، حيث تملك ألمانيا عدداً كبيراً من سلاسل التوريد الصناعية، بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية حيث تصدر تركيا لألمانيا بـ13 مليار دولار مقابل واردات من برلين تصل إلى 18 مليارًا.

4 - تخشى دول مثل بلغاريا والمجر من رد فعل انتقامي من تركيا في ملف اللاجئين، حيث تعد تلك الدول في مسار المهاجرين من تركيا إلى أوروبا، كما تخشى المجر خروج الاستثمارات التركية من أسواقها، خاصة أن هناك أكثر من 40 شركة تركية كبيرة تعمل في المجر.

5 - أما بالنسبة لإيطاليا، فإنها تخشى على التجارة البينية الكبيرة مع تركيا، حيث يصل الميزان التجاري بين البلدين لأكثر من 20 مليار يورو وفق إحصاء عام 2018، كما تستثمر إسبانيا في قطاع البنوك التركي وتخشى أن تتأثر استثماراتها لو تم فرض عقوبات قوية على أنقرة.

6 - لا تريد تلك الدول الوصل إلى علاقة سلبية مع تركيا تدفعها للارتماء النهائي في أحضان روسيا، وهي التي تراها الدول الأوروبية أشد أعداء أوروبا مع الصين، وتستشهد تلك الدول بشراء تركيا لمنظمة «إس 400» الروسية كدليل على التهور التركي واستعداد أردوغان للدخول في العداء مع الناتو والدول الأوروبي لأبعد مدى.

7 - تخشى هذه الدول أن تقوم تركيا بابتزازهم بورقة «الإرهابيين الأجانب» المعتقلين لديها والذين يحملون الجنسيات الأوروبية، وقد لوحت أنقرة في أواخر عام 2019 بإعادتهم بشكل عشوائي دون خطة للتسليم مع الجهات الأمنية الأوروبية، حيث تعتقل تركيا حوالي 1149.

ثانيًا: الصقور

وهم مجموعة الدول التي تقودهم فرنسا وهولندا واليونان وقبرص والنمسا، وهي دول تتبني نظرية أن تركيا لا تردعها «الأقوال» بل «الأفعال»، وتطالب بعدم إمهال تركيا أي وقت إضافي لفرض عقوبات ضدها بشأن ملف التنقيب على الغاز شرق المتوسط، وتعتبر الخلاف التركي - اليوناني بمثابة خلال أوروبي تركي، مطالبين بفرض «حظر بيع السلاح» إلى تركيا، ومنع التدخلات التركية في الشؤون الداخلية الأوروبية عبر شبكات التأثير المتطرف والسياسي والاستخباراتي، ووضع تركيا على اللائحة السوداء للملاذات الضريبية باعتبارها أكثر الدول التي تحجب معلومات الإقامات الضريبية لملايين الأتراك المقيمين في النمسا وفرنسا وهولندا، وتعود مواقف هذه الدول لعدد من الأسباب في مقدمتها:

1 - الخلاف التاريخي بين اليونان وقبرص من جانب وتركيا من جانب آخر حول هوية جزيرة قبرص منذ السيطرة التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة عام 1974.

2 - ترفض اليونان أي مقترح تركيا لتعديل الوضع الخاص بالجزر كما ترفض حديث تركيا عن مسلمي «تراقيا الغربية»، وتدعو للحزم الكامل مع أنقرة، بالفعل دخلت اليونان في سلسلة من الصفقات العسكرية بهدف تأمين الجزر اليونانية التي تحرشت بها السفن العسكرية التركية أكثر من مرة.

3 - تعاني كل من النمسا وهولندا من شبكات التأثير التركي المتطرف الذي يديرها النظام الحاكم في أنقرة، وهذه الشبكات الظلامية والسياسية والاستخباراتية تتهمها فيينا وأمستردام بزعزعة أمنهما القومي من خلال دعم الجماعات الإرهابية في تلك الدول، وكشفت وثيقة استخباراتية هولندية وجود صلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وصعود الإرهابيين في هولندا، حيث يعتقد المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب والأمن بهولندا أن أهداف أردوغان المتمثلة في نشر الأفكار المتطرفة في هولندا وأوروبا لا تقل عما يقوم به في هذا الإطار في دول الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وأن هذا الأمر يتم عبر التجمعات التركية في هولندا وغيرها من الدول الأوروبية، كذلك الموقف الفرنسي الرافض لسلوك تركيا شرق المتوسط وليبيا ومنطقة الساحل والصحراء.

سيناريوهات

السيناريو الأول: العداء التام

ويقوم على التصعيد وتوتر العلاقات التركية الأوروبية، وبدء تطبيق عقوبات قوية على أنقرة إذا ما قررت تركيا استئناف التنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط، مما يستوجب فرض عقوبات جديدة على تركيا تطول مزيدًا من الأفراد والكيانات التركية وحظر استخدام الموانئ الأوروبية، واستهداف الشركات التركية غير النفطية بعقوبات قاسية يمكن أن تزيد من أوجاع الاقتصاد التركي، والتقليل من تدفق البضائع التركية للسوق الأوروبية، وقد تصل العقوبات إلى حد تجميد الوحدة الجمركية بين تركيا والاتحاد، وهو ما يعني تداعيات اقتصادية كارثية على تركيا، التي تعاني أصلاً أزمة مالية خانقة ونسبة الوصول لهذا السيناريو في ظل إدارة بايدن لن تزيد عن 20 في المائة.

السيناريو الثاني:

ويقوم على نجاح دول «الحمائم» في إقناع تركيا ودول «الصقور» بالعمل على تخفيف التوتر وتوقف تركيا عن لغة التهديد لليونان وقبرص وفرنسا وهولندا وغيرها، وضرورة مواصلة المفاوضات الاستكشافية بين أثينا وأنقرة، ووقف أنشطة التنقيب التركية في المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان وقبرص، ووقف عمليات التأثير التركي عبر الشبكات المتطرفة والسياسية داخل دول الاتحاد، ويدعم هذا السيناريو رغبة الولايات المتحدة من الاستفادة من العداء التركي ودول المجلس التركي في العداء للصين، حيث تعتبر الإدارة الأميركية أن تركيا ودول المجلس التركي قد تكون رأس الحربة في المعركة الجديدة ضد الصين ونسبة هذا السيناريو تصل لـ50 في المائة.

السيناريو الثالث: «الحذر والترقب»

ويقوم هذا السيناريو على عدم توافر الحد الأدنى من الثقة في الرئيس التركي، لذلك خلال الاجتماعات الأخيرة التي جمعت قادة الاتحاد الأوروبي وأردوغان كانت صيغة البيانات تقوم على إعطاء فرصة جديدة لكن مع «ترقب» ما يمكن أن يقوم به أردوغان من خطوات غير متوقعة حيث قام بالانسحاب من اتفاقية إسطنبول في اليوم الثاني للقاء رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ونسبة هذا السيناريو 30 في المائة.

السيناريو الرابع:

ويعتمد هذا السيناريو على القيام بإجراءات متوازنة بين عدم انزلاق العلاقات بين الجانبين إلى الخلاف والعداء الكامل، وفي نفس الوقت إرضاء الدول التي يقلقها التصرفات التركية.

الدول العربية

أمام كل تلك السيناريوهات أمام الدول العربية أن تقوم بالعمل على ثلاثة محاور وهي:

1 - متابعة النشاط التركي والعلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي لأن التوتر أو الهدوء في العلاقة بين أنقرة وبروكسل سينعكس على الدول العربية، خاصة في ملفات سوريا والعراق وليبيا والصومال والخليج، وهي كلها ملفات حيوية للأمن القومي العربي.

2 - تقوية العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي حتى يتم الاستفادة من هذه العلاقة حال تجدد الخلاف مع تركيا، ومثال على ذلك أن العلاقات المتينة بين القاهرة وباريس لعبت دوراً كبيراً لصالح القاهرة في خلافاتها مع تركيا في جميع الملفات.

3 - مد اليد إلى تركيا من أجل حل الخلافات معها أو على الأقل «تبريد الصراعات»، مع البقاء دائمًا في حالة الاستعداد والاستنفار، فكل من تعامل مع أردوغان اتفقوا على شيء واحد وهو أنه رجل لا يجب الوثوق فيه.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع